اليمن الحر الأخباري

من الانفصال الى تفكيك اليمن!

د. ربيع شاكر المهدي*
من وهم الانفصال إلى واقع التفكيك اليمن أمام أخطر مراحله حيث يمكن القول إننا أمام تحول في شكل الصراع لا نهايته فإذا تراجع أو أُعيد احتواء المجلس الانتقالي فهذا لا يعني إنهاء مشروع الانفصال بالمعنى المطلق بل يتحول إلى فدرلة مشوّهة وسلطات أمر واقع متعددة وتفكيك ناعم للدولة بدل انفصال صريح تفكيك دون إعلان فالتفكيك يحدث بصمت وبموافقة أطراف متعددة وتحت شعارات براقة.
برأيي السياسة اليمنية أثبتت أن الكيانات المهزومة تعود بأشكال أخرى فالخطر الحقيقي اليوم ليس انفصال الجنوب بقدر ما هو تآكل فكرة الدولة وتعدد مراكز السيادة وتحويل اليمن إلى جغرافيا بلا مشروع جامع .لطالما كان مشروع انفصال الجنوب هو العنوان الأبرز للصراع في الشطر الجنوبي من اليمن منذ عام 2017 بقيادة المجلس الانتقالي الجنوبي إلا أن أحداث يناير 2026 وضعت هذا المشروع أمام مفترق طرق تاريخي حيث تشير الوقائع الميدانية والسياسية إلى أن نهاية المجلس الانتقالي ككيان مسيطر قد لا تعني بالضرورة عودة الوحدة بل قد تكون الشرارة لبدء مشروع تفكيك أكثر خطورة وتجزئة.
فبعد إعلان يناير 2026 الدستوري ومحاولة فرض واقع الانفصال بالقوة واجه المجلس الانتقالي الجنوبي تحولاً جذرياً في الموازين بتحول الموقف الإقليمي بالتدخل العسكري المباشر بقيادة السعودية لدعم قوات الحكومة (درع الوطن) في عدن وحضرموت والمهرة أدى إلى انكسار عسكري سريع لقوات الانتقالي وانسحاب القوات الإماراتية وإعلانها إنهاء دورها العسكري المباشر (وأعتقد أن هذا مرتب له بين السعودية والإمارات)الأمر الذي جرد المجلس من غطائه الجوي واللوجستي الأهم.
​صدور قرارات من مجلس القيادة الرئاسي بإسقاط عضوية قيادات الانتقالي وإحالتهم للمحاكمة بتهمة الخيانة العظمى أنهى شرعيتهم داخل مؤسسات الشرعية .
الفرضية الأخطر التي تتبلور اليوم هي أن انهيار المجلس الانتقالي فتح الباب أمام تفكك المفتت .
مع تراجع سلطة عدن (الانتقالي) صعدت قوى محلية قوية جهوية مثل مجلس حضرموت الوطني وقوى المهرة التي لم تعد تطالب بالانفصال عن الشمال فقط بل بالاستقلال الذاتي حتى عن مركزية عدن أيضاً.
​تحول وحدات عسكرية كانت تحت مظلة الانتقالي إلى جيوب مقاومة جبلية في الضالع ولحج مما يخلق مناطق نفوذ صغيرة خارجة عن سيارة أي طرف.
المشهد الحالي يشير إلى تحول اليمن من شمال وحنوب إلى خارطة ممزقة تضم (صنعاء وعدن ومحيطها تحت سيطرة رئاسية مهزوزة وشرق شبه مستقل في حضرموت والمهرة وساحل غربي مستقل.
وهنا أطرح أسئلة من يملك السيادة؟ ومن يملك الاعتراف؟ ومن يملك القوة؟ لأن التفكيك لا يكون جغرافيًا فقط بل سياديًا ووظيفيًا.
مشروع التفكيك الجاري الآن يختلف عن الانفصال فالانفصال يسعى لبناء دولة جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية السابقة بما يسمونه الجنوب العربي بينما التفكيك يعني غياب الدولة تماماً لصالح كانتونات مناطقية وقبلية متصارعة حيث تتأرجح التوقعات بين ثلاث مسارات:
​1- الفيدرالية القسرية باستمرار الضغط السعودي لفرض نموذج الأقاليم وبرأيي هي الأقرب للرغبة الدولية لكنها وصفة للانفجار المؤجل لأنها لا تعالج المظالم بل تشرعن المحاصصة.
2- تحول الجنوب إلى ساحة تصفية حسابات بين فصائل متعددة الولاءات مما يجعل الوحدة والانفصال مصطلحات من الماضي.
3- ​تسوية أمر واقع باعتراف دولي بتقسيم اليمن إلى ثلاث أو أربع مناطق نفوذ مستقرة نسبياً تحت رعاية إقليمية مع بقاء العلم اليمني شكلياً في الأمم المتحدة وقد تكون هي المسار الذي يسلكه العالم (الاعتراف بحدود السيطرة الفعلية) وهذا ينهي السيادة الوطنية للأبد لصالح السيادة الوظيفية للقوى الإقليمية.
إن تآكل مشروع المجلس الانتقالي بصيغته السابقة واضطرار قياداته للتواري أو التحول للعمل السياسي الصرف قد ينهي فكرة الانفصال المنظم ليبدأ واقع التفكك الجديد فاليمن اليوم لا يواجه خطر الانقسام إلى دولتين بل يواجه خطر التلاشي ككيان وطني واحد حيث أصبحت الهويات الفرعية كالحضرمية والعدنية والتهامية وغيرها أقوى من الهوية الوطنية الجامعة.
ما يجري اليوم ليس فشل مشروع بل غياب مشروع بديل قادر على إعادة تعريف الدولة بوصفها عقدًا جامعًا لا غنيمة صراع.
ختاما أقول الدول لا تموت حين تنقسم بل حين تفقد مركزها الجامع فالانقسام مهما بدا خطيرًا يبقى قابلًا للإدارة والتسوية متى ما وُجدت دولة تمتلك مركز قرار واضحًا وهوية جامعة ومشروعًا وطنيًا قادرًا على إعادة لملمة الشظايا أما حين يتآكل هذا المركز وتتحول السيادة إلى وظائف موزعة بين قوى الأمر الواقع فإن الدولة لا تنقسم فحسب بل تتلاشى تدريجيًا وتغدو الجغرافيا مجرد مساحة تتنازعها الهويات الفرعية بلا عقد وطني جامع ولا أفق استراتيجي للخلاص.
*نقلا عن رأي اليوم

Exit mobile version