اليمن الحر الأخباري

لماذا تراجع ترمب عن ضرب إيران؟

د. علي المندلاوي*

في مشهدٍ دراماتيكي أعاد للأذهان ذكريات صيف 2019، وقفت المنطقة والعالم على أطراف أصابعهم بانتظار “ساعة الصفر” التي بدت حتمية. الطائرات في الأجواء، والمدمرات في مواقعها، والبيت الأبيض يهدد، ويعلن لإطلاق شرارة مواجهة قد تغير وجه الشرق الأوسط. لكن، وفي اللحظة التي سبقت الأنفجار الكبير، جاء التراجع الرئاسي ليعيد المدافع إلى أغمدها، تاركاً خلفه سحابة كثيفة من التساؤلات: هل هي “إنسانية” ترامب المفاجئة؟ أم أنها حسابات “العامل الرابع” التي لم تكتمل فصولها بعد؟لم يكن تراجع دونالد ترامب عن تنفيذ تهديداته العسكرية ضد الجمهورية الإسلامية في إيران قرارًا نابعًا من حكمة أو نزعة إنسانية مفاجئة، كما حاول تسويقها إعلاميًا، بل كان تراجعًا قسريًا فرضته معادلات الفشل والعجز. فقد أصطدمت سياسة “الضغط الأقصى” الأمريكية بجدار صلب من صمود الشعب الإيراني ووعيه السياسي، وبحكمة قيادته الشجاعة، التي أدركت كيف أن تنهي الحرب من قبل ان تبدأ أصلاً.
ما وراء الستار: لماذا أصبحت الحرب خيارًا مكلفًا؟
خرج الرئيس دونالد ترامب ليعلن للعالم أن تراجعه جاء استجابةً لـ “توقف القتل” كما وصفه، وتراجع طهران عن إعدام المتظاهرين. هذا الخطاب، وإن بدا غير مقنعناً للجمهور العام، إضافة إلى أنه يفتقر للعمق الإستراتيجي الذي يحكم قرارات القائد الأعلى لأقوى جيش في العالم. فالمتابع لمسار السياسة الخارجية في عهد ترامب يدرك أن العاطفة ليس لها دور في بوصلة التحرك العسكري، بل هي دائماً لغة المصالح والمكاسب وحسابات الجدوى الاقتصادية.
رفع الإصبع عن الزناد: حين تعطّلت معادلة إسقاط النظام
لكي نفهم لماذا رفع ترامب إصبعه عن الزناد، يجب أن ننظر إلى المشهد من زاوية استراتيجية أعمق، وهي الزاوية التي تفسر كيف تسقط واشنطن الأنظمة دون الحاجة لغزو بري شامل. تعتمد هذه الاستراتيجية على أربعة عوامل متلازمة:
الخنق الاقتصادي: وهو ما نجحت فيه واشنطن بامتياز عبر سياسة “الضغوط القصوى” التي جعلت الاقتصاد الإيراني يترنح.
المظاهرات والتمرد: تحويل الضيق المعيشي إلى وقود للمظاهرات والاحتجاجات التي تضرب شرعية النظام في الصميم وتحويلها تدريجياً إلى تمرد على النظام ومؤسساته.
الحرب النفسية: استخدام الفضاء الرقمي لبث الإشاعات، وتضخيم الانقسامات، وإقناع الشارع بأن النظام قد انهار فعلياً، مما يدفع القوات الأمنية للانشقاق أو الاستسلام.
الضربة الجراحية: وهي “اللمسة الأخيرة” التي تأتي لتفكيك ما تبقى من هيكل النظام المتهالك.
لكن هذه الأدوات فشلت في تحقيق هدفها المركزي: كسر الإرادة الشعبية ودفع الشارع إلى الانقلاب على نظامه. ورغم العقوبات غير المسبوقة التي فرضتها واشنطن، أظهرت التقارير الدولية أن إيران لم تدخل في حالة الانهيار الشامل التي كانت الإدارة الأمريكية تراهن عليها
أما الرهان على تفجير الداخل عبر (المظاهرات والتمرد) وهو العامل الثاني، فقد سقط هو الآخر أمام وعي المجتمع الإيراني والتفافه حول نظامه السياسي وقيادته الحكيمة، خصوصًا عندما تحول التهديد الخارجي إلى عامل توحيد لا تفكك، وهذا ما أثبتته الجماهير الإيرانية عندما خرجت بمختلف قومياتها وديانتها ومذاهبها للدفاع عن النظام يوم ١/١٢.
في هذا السياق، برز عاملٌ حاسم قلب حسابات المواجهة رأسًا على عقب: السيادة المعلوماتية. فقد نجحت إيران، وبدعم تقني روسي متقدم عبر (منظومة كالينكا الروسية)، في تحييد الفضاء الرقمي بنسبة كبيرة جداً وحجب الإنترنت الفضائي (ستارلينك) ومنع تحويله إلى ساحة فوضى تُدار عن بُعد من غرف العمليات الأمريكية. كانت واشنطن تراهن على أن يشكّل الإنترنت المسرح الرئيسي لانفجار داخلي، تضخ فيه الإشاعات وتدار عبره الحرب النفسية، لكن هذه الرهانات اصطدمت بـ جدار ناري سيادي عطل أخطر أدوات التدخل غير المباشر.
ومن خلال التحكم الصارم بتدفّق المعلومات وقطع القنوات الرقمية في اللحظات الحرجة، أسقطت طهران العامل الثالث (الحرب النفسية) في الاستراتيجية الأمريكية، وهو العامل الذي يُفترض أن يهيّئ الأرضية النفسية والاجتماعية لأي ضربة عسكرية لاحقة.
في ظل غياب شارع مشتعل قادر على كسر الروح المعنوية للنظام، ومع سقوط رهان الفوضى الخلّاقة كأداة ضغط من الخارج، أدركت واشنطن أن الانتقال إلى العامل الرابع أي (الضربة العسكرية) لن يكون سوى فعلٍ انتقامي مكلف، لا خطوة استراتيجية محسوبة.
فغياب الانهيار الداخلي المسبق جعل أي تدخل عسكري مغامرة مفتوحة على نتائج عكسية، إذ سرعان ما سيتحول العدوان الخارجي إلى طوق نجاة يمنح طهران شرعية دفاعية كاملة، ويعيد توحيد الجبهة الداخلية تحت شعار (الدفاع عن الوطن)، وهو أسوأ سيناريو استراتيجي يمكن أن تواجهه الولايات المتحدة؛ سيناريو يرفع كلفة الحرب سياسيًا وعسكريًا، ويمنح الخصم الإجماع الداخلي والمشروعية الدولية للدفاع.
انتصر سياسة الصبر الاستراتيجي على جنون ترامب
أمام هذا الواقع، بدا ترامب على حقيقته: رئيس يلوح بالقوة لكنه يتراجع امام الشعوب المقاومة الصامدة وامام كلفة الحروب العبثية. فالرجل الذي يتقن لغة التغريدات والتهديدات، يفتقر إلى الجرأة السياسية لتحمل تبعات حرب قد تخرج عن السيطرة وتهدد مصالح واشنطن في المنطقة بأسرها مما ينعكس بشكل سلبي حتى على علاقتها بحلفائها.
ين “الدرع الرقمي” و”الزناد الأمريكي”: صراع الإرادات فوق جدار الصمت
إن تراجع ترامب في اللحظة الأخيرة هو إدراك بأن القوة العسكرية، مهما بلغت عظمتها، تظل عاجزة عن فرض تغيير سياسي إذا لم تكن الأرضية الداخلية مهيأة تماماً. ترامب، الذي يفتخر بكونه صانع صفقات لا صانع حروب، يرفض دفع ثمن باهظ مقابل نتيجة غير مضمونة. وفي نهاية المطاف، يبدو أن واشنطن قررت العودة إلى مربع “الانتظار النشط”، بانتظار ثغرة في الدرع الرقمي أو تصدع جديد في الجدار الداخلي الإيراني. أما طهران، فقد كسبت جولة بفضل تكنولوجيا الحجب الفعال للاتصالات، لكنها تدرك أن الزناد الأمريكي لا يزال قريباً، وأن العامل الرابع (الضربة الجراحية) ينتظر فقط اكتمال نصاب العوامل الثلاثة الأولى.
اما بالنسبة للعراق، فإن هذه التجربة تقدم درسًا بالغ الأهمية:
بأن الدول لا تُحمى بالشعارات، بل بالوعي الشعبي والبصيرة، ووحدة القرار السياسي والحفاظ على سيادة الدولة. فحين تفشل أدوات التفكيك الداخلي، تتراجع حتى أكثر القوى عدوانية وفتكاً.
*كاتب و محلل سياسي عراقي

Exit mobile version