وجيدة حافي*
سُؤال طُرح وبقوة بعد تصويت الجزائر على المُقترح الأمريكي، تعالت أصوات اللوم والأسف على بلد المليون والنصف مليون شهيد بعد خيبة الأمل التي حصلت بعدها، شخصيا لم يرقني موقف بلدي، لكن كما نقول في دارجتنا “واش يدير الميت في يد غسالوا” وماذا تستطيع الجزائر أن تفعل أمام أمريكا ترامب، الرجل الذي لا يعرف المهادنة ولا المُناقشة، ويعتبر أن الخُروج عن قرارته وأوامره تحد له شخصيا، وليس دفاعا وتبريرا لموقف بلدي، الذي عرف مسؤوله هذه المرة من أين تُؤكل الكتف، وضعوا العواطف جانبا وإستعملوا منطق العقل والمصالح كغيرهم من بلدان الأمة العربية القوية إقتصاديا، فهؤلاء رغم قُدرتهم على مجابهة وتحد ترامب، إلا أنهم فضلوا سياسة الانبطاح واللعب بهدوء بعيدا عن ضجيج الدبابات والعقوبات، فالجزائر يا سادة دولة في طور النمو، تُريد أن تضع لها قدما ومكانة بين الدُول الكُبرى، وهذا لن يتم بالتغنان واللهجة الشديدة، بل بالتفكير المنطقي ودراسة الأمور بعقلانية أمام رئيس متهور أهدافه واضحة، ضف إلى ذلك فالتحديات الاقليمية والجيوسياسية المُهددة لأمننا تتطلب منا دراسة وتريث، فحدودنا كلها ملتهبة، وجيراننا غير مؤتمنون، يعني غربا نجد حدود مغلقة وعلاقات دبلوماسية غير مُستقرة، وباقي الجهات كذلك ملتهبة ودولها تعاني بصمت واختراقها وتهديدها من الفرعون ترامب ليس بالأمر الصعب، لذا فالحذر والحيطة مهمان في هذه الظروف الصعبة التي يمر بها العالم، ولا ننسى أن الجزائر قدمت تسهيلات للقضية وقادتها، وساهمت في كثير من المواقف الايجابية، منها اعلان الدولة الفلسطينية سنة 1988، لكنها لم تحتكر القضية لأسباب جغرافية كالبعد بين الدولتين، وغياب العلاقة المباشرة مع الصراع ، كما هو الحال مع مصر والأردن، فنحن شئنا أم أبينا لا نملك هامش المناورة كالسعودية وقطر، وعلاقتنا بأمريكا ليست متينة جدا، وترامب والرئيس تبون ليس بالصديقين الحميمين مثل ملوك قطر والسعودية.
فالخطأ الذي وقع فيه المسؤولون الجزائريون هو رفع سقف التصريحات والتطلعات، وإحتكار القضية الفلسطينية لفترة، ناسيين أن زمن الشعارات ولى وإندثر، وحلت محله المصالح والعلاقات المبنية على واحدة بواحدة وفي كل المجالات، لذا لا داعي للتهويل والتعجب من موقف متوقع بسبب الخيانات والتطبيع، ومنطق بعدي والطوفان الذي يتبناه بعض القادة العرب، فقبل الجزائر توجد مصر والأردن القريبتين من فلسطين، ورغم المواقف الباهتة طول فترة الحرب، إلا أن المدح والشُطر كان من نصيب بعض القادة عند اعلان الهُدنة المُزيفة ووقف إطلاق النار الكاذب، فقبل توجيه اللوم لبلد حاول ودافع يوم ما كان الكل ينتظر قرارات الغرب، ينبغي مراجعة الوحدة والمواقف العربية المتضاربة والضاربة لبعضها البعض وفي الصميم، فنحن من الخارج أمة عربية موحدة، ومن الداخل تفكك وصراعات وأمراض الكرسي والمصالح التي تغلب على بعض قادتنا، لذا لنكن عقلانيين ونكف عن سياسة النقد والكلام لمجرد الحديث، فحتى لو لم نُصوت، فالقرار سيمر، والمُتضرر الوحيد والأخير هو نحن، وسنتحمل تبعيات الرفض دون أي مُساندة من أي أحد، فالعين بصيرة ولكن اليد قصيرة، ولهذا فلومنا للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي لما رفض فتح الحدود كان خطأ كبير، لأنه وقتها كانت مصر ستكون لوحدها في الساحة مثلما هي الآن لُبنان وسوريا، وايران، أما القضية الفلسطينية فموقفنا واضح وضوح الشمس بالأمس واليوم وغدا، وتصويتنا على القرار لا يعني خيانة وانبطاح، بالعكس فالبرغماتية والتفكير المنطقي ضروري في بعض المواقف، وخاصة اذا كانت الظروف كلها ضدك، فالصين وما أدراك ما الصين كقوة اقتصادية عالمية وتُفكر بهذا المنطق، ولم تتسرع في الرد على أمريكا بعد خطفها للرئيس الفنزويلي، هي تدرس وتتريث وبعدها تُقرر، ومن يسأل عن الشعارات التي كنا نكتبها ونُرددها “نحن مع فلسطين ظالمة أو مظلومة” تحيا فلسطين” أقول أنها لم تندثر وستبقى نفسها، لأن القضية لم تُحل، الشعب الفلسطيني الضحية الوحيد الذي يُعاني في هذا البرد القارص في خيام لا تصلح للتخييم فما بالك للعيش، والفُرصة لم تفت لإعادة النظر حول القرار، لكن بالاتفاق الجماعي والتصويت ضد القرار الأمريكي، وفلسطين في الأخير لها رئيسها وسلطتها التي وافقت عليه مع مجموعة من الدول العربية والإسلامية، دُول قريبة جدا من التفكير الأمريكي، وضاغطة على السلطة بطريقة وأُخرى، والرئيس محمود عباس” يبقى في نظر العالم المُفوض الرئيسي الذي يحق له الحديث عن فلسطين، رغم رفض سياساته وقراراته من الأغلبية، والمُقاومة لن تتأثر بقرار ظالم، ولا بأيادي مرفوعة في مجالس لا تمت للعدل ولا تحترم سيادة الدُول، هي ستعود وبقوة، بعد أن تُرمم نفسها وتستعيد عافيتها، طبعا أنا لست هنا لألقي خُطبة أو أتفلسف، أو أُبرر موقف بلدي الذي تمنيت أن يكون العكس ولا يرفع السيد “”بن جامع “يده، لكن أعيدها وأقول ” واش يدير الميت في يد غسالوا” يعني الجزائر كغيرها من البلدان العربية والغربية، ضعيفة وميتة، وأمريكا تفعل ما تريد ولا تنتظر موافقة ولا رفض، فهي التي تغسل جثث هذه الأنظمة، فعذرا فلسطين لأننا خذلناك كما خذلك مسؤولك، وجيرانك وكل من يُسبح بحريتك صباحا وعشية أمام الكاميرات وفقط.
*كاتبة جزائرية
هل خانت الجزائر القضية الفلسطينية؟!
