اليمن الحر الأخباري

مجلس أمن دولي “قطاع خاص”

د.رجب السقيري*
مجلس السلام في غزة هو عبارة عن مجلس أمن “قطاع خاص”. ويأمل رئيسه دونالد ترامب أن تتوسع أعمال المجلس في المستقبل القريب بحيث لا يقتصر على غزة ، بل يصبح بديلاً لمجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة ، ويعمل على استتباب الأمن وتحقيق السلام في أنحاء مختلفة من العالم !!!
منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وإنشاء الأمم المتحدة عام 1945 أوكل العالم لمجلس الأمن الدولي التابع لها مهمة الحفاظ على السلام والأمن الدوليين ، فقام المجلس المكون من ممثلي 15 دولة خمسة منهم دائمين احتفظوا لأنفسهم بغنيمة الانتصار في الحرب والمتمثلة بحق النقض (الفيتو) ، وعشرة ينتخبون لمدة سنتين ، قام المجلس بمهامه طوال ثمانية عقود تخللتها عقبات كبيرة وحروب إقليمية وحروب بالوكالة وأنواع أخرى من الحروب ، ولكن الحرب بين العملاقين الولايات المتحدة والإتحاد السوفيتي والمعسكرين التابعين لهما لم تحدث لحسن الحظ وبقيت حرباً باردة تسخن أحياناً فيطفئها الطرفان بحروب بالوكالة ، ثم تبرد وتعود إلى سيرتها الأولى ، واستمرت بالتعبير عن نفسها بحالة من الاستقطاب وسباق التسلح إلى أن أصبح لدى العملاقين من الأسلحة النووية وغيرها ما يكفي لتدمير العالم عدة مرات .وهكذا استمرّ العملاقان يحكمان العالم ويتحكمان بمصيره لخمسة عقود تقريباً تارةً بالعصا وتارةً أخرى بالجزرة ، إلى أن انهار الإتحاد السوفيتي عام 1991 وانهارت معه النظرية الشيوعية ، كما انهار النظام الدولي الثنائي القطبية وحل محله نظام دولي أحادي القطبية بزعامة الولايات المتحدة ، وانتصرت الديمقراطية الليبرالية ، ويفترض أن تكون قد انتصرت معها أيضاً حرية الرأي والقيم الإنسانية الأخرى وأهمها حقوق الإنسان والعدالة الدولية وحق الشعوب في تقرير مصيرها وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول وحل النزاعات بالطرق السلمية ، ومنع احتلال أراضي الغير بالقوة .
ما نشهده الآن أن مجلس الأمن الدولي لا حول له ولا قوة بسبب ما يتمتع به الخمسة الكبار بفضل حَق النقض (الفيتو) من تأثير ومن نفوذ على أعضاء المنظمة الدولية وبسبب تفرد وهيمنة دولة واحدة على النظام الدولي ، فالعقلية الاستعمارية التي تهيمن على العالم حالياً تجعلنا نتساءل ماذا بقي للأمم المتحدة والمنظمات الدولية من دورٍ تلعبه إذا كانت الدول العظمى تلجأ إلى القوة ، بل القوة المفرطة ، لحل نزاعاتها وتعظيم مكاسبها والإستيلاء على موارد غيرها إما باستخدام القوة المسلحة أو التهديد بإستخدامها ؟ ماذا بقي للقانون الدولي إذا كان السلام يفرض بالقوة كما يحدث حالياً ؟ فهل انتهى الأمر عند هذا الحد ولم يعد للشرائع الدولية والمعاهدات أي تأثير على العلاقات الدولية وعادت الأمور إلى شريعة الغاب كما كانت عليه في القرون الوسطى وفي الأزمنة الغابرة ؟
والآن ، ومع غياب الأمم المتحدة ، أو تغييبها ، نجد أن مجلساً آخر للأمن ،غير الذي نعرفه ، يتم تشكيله في غزة ويسمى مجلس السلام ويرأسه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وإضافة إلى عضويته غير المحدد عددها حتى الآن نجد في المجلس التنفيذي التابع له وجوهاً غير معروفة باحترامها للقانون الدولي ، إلا من رحم ربي ، من بينها طوني بلير وجاريد كوشنر وستيف ويتكوف وأجاي بانغا رئيس البنك الدولي وماركو روبيو وزير خارجية واشنطن ورجل الأعمال الأمريكي مارك روان و السياسي البلغاري نيكولاي ميلادينوف وغيرهم .
رغم أن التشكيلة النهائية للمجلس لم تتم حتى الآن ، لكن الأنباء الصادرة عن البيت الأبيض تشير إلى أن أكثر من ستين دعوة قد أرسلت إلى عددٍ من الدول للانضمام إلى مجلس السلام . كما أن ترامب سيكون الرئيس الدائم للمجلس ويستمر كذلك حتى بعد انتهاء ولايته الثانية ،وهو الوحيد الذي يتمتع بحق النقض (الفيتو) كما أن الدول الأعضاء ليست دائمة العضوية إلا إذا دفعت كل دولة مليار دولار ثمناً لعضويتها الدائمة ، ولا يعرف إذا كان المليار دولار سيذهب لإعمار غزة أم للإنفاق على نشاطات المجلس أم لأغراض أخرى .
أما آخر ما تسرب من أنباء عن تشكيل المجلس فهو دعوة نتنياهو المطلوب للعدالة الدولية ليكون عضواً في المجلس والذي امتنع هذا العام عن المشاركة في مؤتمر دافوس خوفاً من اعتقاله من قبل السلطات السويسرية وتسليمه لمحكمة الجنايات الدولية ، وكذلك دعوة الرئيس الروسي بوتين الذي ينتقده ترامب بشدة وتعتبره أوروبا عدواً لها والذي أعرب لاحقاً عن قبوله بالاشتراك في عضوية المجلس شريطة أن تدفع المليار دولار من أموال روسيا المجمدة في أوروبا والدول الغربية. بقي أن نسمع عن مزيدٍ من الدعوات إلى رؤساء دول يعتبرهم ترامب أعداءً له أو خصوماً أو على الأقل منافسين له وعلى رأسهم الصين التي من غير المتوقع أن تستجيب للدعوة .
لماذا شاركت دول عربية وإسلامية في مجلس السلام ؟
صحيح أن إنشاء مجلس السلام قد تم بقرار من مجلس الأمن الدولي ولكن مفهوم ذلك القرار قد اقتصر على غزة ولم يشمل أية مهام في مناطق أخرى من العالم ، حيث نص على وقف حرب الإبادة بما في ذلك وقف إطلاق النار وانسحاب القوات الإسرائيلية وفتح المعابر ونزع سلاح المقاومة وإعادة إعمار غزة. ولم يتطرق القرار إلى أن مهام مجلس السلام ستستمر بعد انتهاء الحرب في غزة أو بعد انتهاء ولاية الرئيس ترامب . ولعل هذا السبب هو الذي جعل عدداً من الدول العربية والإسلامية والشرق أوسطية تشارك في المجلس رغم ما يفتقر إليه من وضوح في الرؤية والهدف ، إلا أن البديل في نظر هذه الدول هو ترك الحبل على الغارب للحكومة اليمينية المتطرفة في إسرائيل لتكمل حرب الإبادة والتهجير واستمرار احتلال القطاع والاستيطان فيه . أي أن خيار المشاركة في المجلس هو أهون الشرين وهو البديل الأفضل لاستمرار العدوان واستعمال القوة المفرطة من قبل الجيش الإسرائيلي ضد المدنيين الفلسطينيين الأبرياء العزل وحرمانهم من أبسط سبل الحياة الحرة الكريمة .
*كاتب وسفير سابق لدى الأمم المتحدة /جنيف

Exit mobile version