اليمن الحر الأخباري

البلطجة الأمريكية والاستفاقة الأوروبية وثمن النفاق!

د.محيي الدين عميمور*
ردود الفعل الأوروبية على بلطجة الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” كانت أبرز الأحداث السياسية في الأيام الأخيرة.
وحقيقي أنها كشفت حجم النفاق الهائل الذي تميزت به المواقف الأوربية تجاه ما اصطلح على تسميته بالعالم الثالث أو الدول السائرة على طريق النمو، وهو ما تفجر بشكل أكثر وضوحا في مواقف القيادات الأوربية تجاه أبشع عملية إبادةٍ جماعية عرفها التاريخ المعاصر، حيث لم تقتصر عملية القتل الإسرائيلي المُمنهج على استعمال كل أنواع الأسلحة الفتاكة، بل تعدّى الإجرامُ القتلَ المباشر إلى استعمال سلاح القتل غير المباشر بالجوع ضد الكبار والصغار على حدّ سواء، ناهيك من تدمير وسائل علاج المرضى والمصابين.
كانت مواقف القيادات الأوربية من المأساة الفلسطينية عارا لم يعرفه التاريخ، وربما كانت الميزة الرئيسة لتلك المواقف المخزية أنها دفعتنا لتذكر جرائم أوروبا في إفريقيا وآسيا، والتي تناسيناها عبر السنوات الماضية، بحيث لم يتوقف عندها إلا الزعيم الليبي “معمر القذافي”، الذي فرض على “بيرلسكوني” رئيس وزراء إيطاليا أن يُقبل يده، وبغض النظر عن أن ذلك كان ممكنا بفضل المال الليبي.
وأرجو ألا يسارع أحدهم فيحدثني عن عار القيادات العربية والإسلامية، لأن تعبير العار يوصف به فقط رجال يتخلون عن واجب الشهامة، أما غير الرجال فهم مجرد ذكور لا جدوى من استثارة هرمون “التستستيرون ” ( testostérone) الأخلاقي لديهم.
هنا نفهم لماذا استقبل البسطاء في الوطن العربي بسعادة بالغة ما ألقاه “أبرهة الأبرص” من براز على القيادات الأوربية، مما دفعهم، بغضب، متفاوت القوة، إلى التنديد بما بُحّ صوتُ بعضنا من ترديده طوال سنوات وسنوات.
ويصرخ الرئيس الفرنسي “إيمانويل ماكرون” من وراء نظارات يضعها على عينيه لرمدٍ أصاب عينه اليمنى بعد بصيرته، ويقول بأن “العالم يتحول من الانصياع لقانون دولي إلى عالم يعيد صياغة الهيمنة الإمبريالية”.
هكذا يشير الرئيس الفرنسي قدحا للإمبريالية، وهو نتاجها ووليدها والمستفيد منها، بفضل مشروع “مارشال”.
ويصرخ “مارك كارني” رئيس الوزراء الكندي قائلا بأن “الحقبة التي تلت الحرب العالمية الثانية صاغت ما عُرِف بالقانون الدولي، وهذه المنظومة تقترب من نهايتها نتيجة تصرف دول كبرى تخرق تلك القوانين، وكنا نسكت عن ذلك للمحافظة على المنظومة”.
وأرجع خطوات إلى الخلف لأسترجع ما كنت قلته للتوّ عن عارِ قياداتنا العربية والإسلامية، لأسجل أن هذه القيادات كانت، في معظمها، صورة للنخب الثقافية الفكرية الفاعلة في إطارها الجغرافي، وهي نتاج المجتمع الذي نعيش فيه.
نخبنا العربية الفاعلة التي كان مفروضا أن تكون، بشكل ما، وسيلة ضغط معنوي تدفع نحو اتخاذ المواقف المشرفة أصبحت تعيش وضعية يسميها البريطانيون (SELF HATRED) ومضمونها احتقار الذات والاستهانة بكل المواقف الرجولية التي عرفتها الأمة مع قيادات عربية وإسلامية في القرن الماضي، والأمثلة كثيرة في مشرق الوطن ومغربه.
ولم يعد الأمر مقصورا على المواقف السياسية بل وجدنا من يشكك حتى في الإسراء والمعراج، ومن لم يجد موضوعا يرتزق منه إلا السخرية من قانون المواريث الإسلامي، ومن يدعي أن المسلمين عرفوا العديد من المصاحف قبل أن يتم توحيد المصحف منذ حوالي ثلاثين عاما، ومن يزعم بأن ماء “زمزم” هو خدعة مائية كبرى.
ولا يمكن أن أتجاهل الصيحات التي ارتفعت عندنا تندد ببناء الرئيس “عبد العزيز بو تفليقة” للجامع الكبير، بحجة أنه كان من الأجدى بناء مستشفى، وفهم الوطنيون خلفية الصيحات لأنهم تذكروا أن الجامع بُني في نفس الموقع الذي كان القسيس “لافيجري” إثر الغزو الفرنسي يريد أن يتخذه منطلقا لتنصير الجزائر وما أمكن من القارة الإفريقية.
وتساءل كثيرون لماذا لم نسمع نفس الصرخات عند بناء ملاعب رياضية دولية ضخمة تنافس أحدث الملاعب الأوربية.
ولقد اخترت هذه الأمثلة المرتبطة بالعقيدة الإسلامية على وجه التحديد، وبدون إشارة للأديان والشرائع التي تعرفها المنطقة العربية، لأقول بأن الاستنتاج الوحيد هو أننا أصبحنا نعيش في الوطن العربي تحت سيطرة الـ “إسلاموفوبيا”.
وأصبح واضحا لديّ أن الهدف الممنهج من الشمال هو استهداف الإسلام نفسه وليس المسلمين أو الإسلاميين، فهؤلاء، في معظمهم، يمثلون اليوم مرحلة غثاء السيل، وبالطبع فإن “المتأسلمين” ليسوا هدفا لأنهم كانوا وما زالوا وسيظلون أخطر عل الإسلام من أسوا أعدائه.
وهكذا أصبح التضييق على الإسلام يتخذ صورا متفاوتة العنف لكنها تهدف في جوهرها تدمير الانتماء الإسلامي والإخلال بالتوازن النفسي والفكري لمن يؤمنون به.
وكنت تساءلت مذ عدة شهور عن خلفية عملية تدمير الآثار الإسلامية في بلد عربي كبير، وهو ما سبقه منذ عدة عقود تدمير الآثار والمعالم الإسلامية التاريخية، بحيث لم ينجح في الإفلات منها تقريبا إلا الحرم النبوي.
ثم أصبحنا نسمع في الألفية الجديدة أصواتًا رسمية تنادي بتجديد الخطاب الديني، وهو نداء تأكّد أنه يقصد الدين الإسلامي على وجه التحديد، خصوصا عندما أخذت أصابع إبهامٍ مشبوهة تشير إلى واحدة من أعرق القلاع الإسلامية، وهي الأزهر الشريف.
وتذكر كثيرون دعوات قيادات معينة ضد صوم رمضان بحجة أنه يعرقل النشاط الاقتصادي.
ولن أتوقف للتذكير بالمبررات “الحضارية” التي تقدم للتطبيع وللهرولة بل وللدياثة السياسية، فالأمور أصبحت على المكشوف، ولن أتوقف عند مهزلة “الديانة الإبراهيمية” التي أراها أمرا مقززا.
ويجب أن نعترف بأننا لم ندرك دور الشمال الأوروبي وراء كل ما يحدث إلا بعد استذكار مواقف كان يتخذها بشكل يبدو عفويا، وذلك عندما بدأت وسائل الإعلام الغربية تُعطي لكلمة الإرهاب معنًى قدحيا لا علاقة له بمعناها الإسلامي الحقيقي، وتلا ذلك التعامل مع كلمة “الجهاد” على أنها أسوأ عناصر الترويع، وأصبح المسلم هو المتهم الأول عند حدوث أي عملية إجرامية.
وهنا تذكرنا فجأة قضية التعامل الغربي مع الصربي الذي اغتال وليّ عهد النمسا وقرينته مُطلقًا شرارة الحرب العالمية الأولى، فهم يُسمّونه “وطني متطرف”، بدلا من تسميته “إرهابيا”، وبحيث أجرؤ على الادعاء بأنه كان سيسمّى هكذا لو كان اسمه محمد أو عليّ.
ولكن، ما هي خلفية كل ذلك؟.
أتصوّر أن الدين عند شعوبنا، والإسلام على وجه التحديد، يشكل واحدا من أهم ضمانات الوحدة الوطنية ومن أهم مظاهر الإرادة الجماعية في الحرية والاستقلال، حتى بالنسبة لغير المسلمين الذين يرون في الإسلام عنصر حضارة إنسانية قبل أن يكون رسالة سماوية، طبقا لتعبير نُسِب للزعيم المسيحي المصري مكرم عبيد باشا.
وأتصور أن هذا الموقف منبثق من الإدراك الواعي بأن المسيحية الغربية كانت قفاز الاستعمار الغربي، الذي يعتبر أن المسيحية المحلية لا تقل خطورة على وجوده من الإسلام، وهو ما بدا، على ما أظن، خلال الحروب الصليبية.
وكجزائري أعرف أن المسيحية الرومانية اجتثت جذور المسيحية المحلية التي كان يدين بها الأمازيغ في الشمال الإفريقي، والتي كان رائدها الأب “دوناتوس” ابن مدينة “تبسة” في الشرق الجزائري، واشتهرت باسم “كنيسة الأطهار”، وتعتبرها المصادر الغربية “انشقاقاً مسيحياً” (هكذا) شمال-أفريقياً في القرنين الرابع والخامس.
وواجهت المسيحية الدوناتية، القريبة من القبطية، اضطهاد الأباطرة الرومان لمعتنقيها، ولكنها ناضلت وكان لها دور كبير في المقاومة الشعبية ضد الاحتلال الروماني، قبل أن يتم قمعها تدريجياً.
وجرت إبادة معتنقي الدوناتية ممن لم يستجيبوا لكاثوليكية روما، التي أصبح رمزها القسيس “أوغستان”، وهو روماني وُلِد في “الجزائر” من أم بربرية وأب روماني، واعتبرته روما قديسا فأصبح بقدرة الفاتيكان “سانت أوغستان”.
وهكذا وقفت مسيحية الشمال ضد مسيحية الجنوب.
وبرغم أنني أعرف حساسية البعض من أي كلمة خير تقال في حق الرئيس الجزائري هواري بو مدين، فإنني أسجل هنا نظرته الصائبة وهو يقول بأن الصراع ليس بين الشرق والغرب ولكن بين الشمال والجنوب.
بكل بساطة، نكتشف أن هدف الشمال الأوروبي هو تدمير ارتباط المواطن المسلم بعناصر دينه وبقيمه الروحية، التي تشكل أهم طاقة روحية ومعنوية في مواجهة العدوان الخارجي والتواطؤ الداخلي، وبهذا يضمن حماية أطماعه في دول الجنوب
ونجد آثار هذا بوضوح في مواقف العديد من القيادات السياسية في الوطن العربي التي تعمل وفق “الإسلاموفوبيا”، وعبر العنصر المبتكر للتوجيه الجماهيري، وهو ما اصطلح على تسميتهم بالمؤثرين.
وهكذا أصبحت بعض الأصابع تشير بأصبع الاستهزاء لكل من يحاول التذكير بمواقف تاريخية اتخذتها في مرحلة معينة قيادات وطنية.
وعودة إلى الهيجان الأوربي إثر تصريحات “الكاوبوي” أواصل إزعاج البعض بالتذكير أنني كنت تناولت زيارة الرئيس الفرنسي “جيسكارد ديستان” للجزائر في منتصف السبعينيات، وقلت بأن الخلفية الجزائرية آنذاك ربما كانت محاولة تشكيل كتلة تضم أوروبا الغربية ودول عدم الانحياز، وإفريقيا على وجه التحديد، تكوّن بشكل ما قطبا دوليا في مواجهة القوتين الأعظم، وذلك باستثمار النفور الأوروبي من النفوذ الأمريكي، وخصوصا النفور الفرنسي الذي كان وراءه الجنرال “شارل دوغول”.
وقامت قيامة بعض “الأشقاء” ضد ما قلته ولم تقعد، وقرأت لمن يقول “من العجائب و الغرائب أن نسمع ان هناك في الجزائر ”مجاهد” مثقف يتصور أن هناك إمكانية لتحالفٍ بين أوروبا الغربية الرأسمالية وعلى رأسها فرنسا وبين العالم الثالث”.
ولست أنا من يجهل أو يتجاهل جرائم أوروبا، ولكن الحكمة ليست فقط في اكتشاف الفرق بين الحسن والسيئ لأن هذا في متناول أي مخلوق سويّ، إنسانا أو غير ذلك، ولكن الحكمة هي في اختيار السيئ لأنه أفضل من الأسوأ، وفي محاولة استباق الأحداث بنظرة استراتيجية لا يعميها ضباب الحاضر.
ولم يكن موقف المستهزئين مجرد ردّ فعل ضد كلمة خير تُقال في حق قيادة عربية، وإنما كان تجسيدا لاحتقار الذات، واستهانة بنظرة استراتيجية يمكن أن نتخيل أثرها اليوم بعد شطحات ترامب، هذا لو أمكن تحقيقها ولو جزئيا، وخصوصا على ضوء القوة الصاعدة للصين الشعبية، التي اعتبرها مؤتمر عدم الانحياز في الجزائر عام 1973 جزءًا من الحركة، مما أقلق “السوفييت” آنذاك.
ومجازفا بتشنج البعض أقول هنا بكل اعتزاز إن سقوط القانون الدولي الذي يتباكى قادة الغرب عليه اليوم هو على وجه التحديد ما كان حذر منه الرئيس الجزائري هواري بو مدين في الجمعية العامة للأمم المتحدة منذ أكثر من نصف قرن، يوم قال إن القانون الدولي قانون جائر وضع في غيابنا ويجب أن يتغير.
ومعذرة على الإطالة، لكن الهمّ طويل طويل.
*كاتب ومفكر ووزير اعلام جزائري سابق

Exit mobile version