اليمن الحر الأخباري

في مديح الخوف!!

د.أيمن العتوم*

لو كانَ الخوفُ على إطلاقه مذمومًا لَوَجدْتَ في سِيَر النّاس مَنْ يذُمّه دون ضابط، فلمّا كان غريزةً رَكَزها الله في الإنسان لم يُحاسِب على ما كان منه تَبعًا لتلك الغريزة، وإنّما المذموم الخوفُ المُقترن بالجُبن، النّاشِئ من الإحجام عن مكارم الأمور.

والخوفُ لا يكون إلاّ من مجهول، ولا يكونُ إلاّ عن قلّة يقين، أو ذلك الخوفُ النّاشِئ عن فَعْلةٍ لا تُريدُها أنْ تظهر للنّاس.

فمن الأوّل أنّكَ تخافُ من الظّلام إذا سِرْتَ في طريقٍ لا نَورَ فيها أنْ يخرجَ لكَ من جنباتِها ما يُؤذيك، أو تخافُ إذا دخلْتَ إلى غرفةٍ مُعتِمة لا تعرفُ حدودَ موجوداتها أنْ تعثرَ بكرسيّ هنا، أو إناءٍ هناك، أو كائنٍ غيرِ مرئيّ في زاويةٍ أو في جانبٍ منها، فيدخلُ إليكَ ذلك النّوع من الخوف الغريزيّ، فإذا أضأت تلك الغرفة انجلى لكَ ما كان موجودًا، ففقدَ الخوفُ معناه.

ومن الثّاني أنْ تخافَ غائِبًا هو في علم الله، فيدفعك الخوف أنْ تحذره أو أنْ تستجلبه، فالأوّل المرض، والثّاني الرّزق، وهذا مذمومٌ لأنّكَ لا تدري ما يفعل الله بهما ولا بِك. ومنشأ هذا الخوفِ الشّكّ أو انتِفاء اليقين.

ومن الثّالث الذّنوب، فإنّكَ إنْ أقدَمْتَ عل معصية، أو نزلتَ منزلًا لا يليقُ بك، أو أتيتَ من الأمر ما تُؤثَم عليه، دَخَلكَ الخوفُ، لأنّه ناشِئٌ عن تلك الفعلة الّتي لا ترتضيها فِطرتُك، وهو مصداقُ قوله صلّى الله عليه وسلم، في الحديث الّذي رواه مُسلِم: «الإِثمُ: مَا حاكَ فِي نَفْسِكَ، وكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلعَ عَلَيْهِ النَّاسُ» .

والخوفُ الّذي هو غريزةٌ لا يَسلمُ منها أحدٌ بمن فيهم الأنبياء، الّذين هم أكرمُ الخلق على الله وأشجعهم لديه، فقد قال تعالى في قِصّة داود: «فَفَزعَ منهم قالوا لا تَخَفْ» . وقال في قصّة موسى عليه السّلام: «فأصبحَ في المدينة خائِفًا يترقّب» . وقال: «فأوجسَ في نفسِه خيفةً موسى» . وهو وجهٌ من وجوه ابتلاء الله المؤمنين للتمّحيص، قال تعالى: «وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ» .

والخوف الممدوح نوعان: الأوّل الخوف من الله، فلا تأتي من العمل إلاّ ما كان وَفْقَ أمره. والثّاني الخوف من أنْ تفوتكَ الصّالحات في أمر الأولى والآخِرة، فهو الّذي يدفعك إلى أنْ تنشطَ وتنهضَ ولا تركنَ وتكسل.

والخوفُ المذموم، هو خوفُ الوَهْم، فيما يُشكّله خيالُ الإنسان المريض، وما هو كذلك إنّ حلّ، وإنّما مردُّه إلى التّردّد الّذي ينكفِئ فيه الإنسانُ على نفسه، يظنّ أنّ المُصيبة ستنزل به إنْ حلّ، ولو أقدمَ برباطة جأش عليه لَصَغُر في نظره، ولامَ نفسه على ما كان فيه من وجل، وأصدقُ مَنْ عبّر عن هذا النّوع من الخوف، هو المتنبّي، حينَ قال:

وما الخوفُ إلاّ ما تَخوَّفَه الفتى

ولا الأمن إلاّ ما رآه الفتى أمْنا.

Exit mobile version