اليمن الحر الأخباري

أقلام على مقعد.. ودرس لا يُنسى!

فاطمة الغزال*
في قاعات الاختبار، ينشغل الجميع بالأسئلة والأجوبة والدرجات، بينما تمر بعض المواقف الصغيرة مرور الكرام، رغم أنها تحمل من الدروس ما لا تحمله المناهج، يحكي أحد المعلمين الموجهين أنه لاحظ تحت مقعد أحد الطلاب أثناء تأدية أحد الامتحانات كمية من الأقلام في كيس فسأله المعلم ألا يكفيك قلم واحد؟، فرد الطالب بأنه أتى بهذه الأقلام ليساعد بها زملاءه قد ينسى أحدهم قلمه أو ينكسر منه فأكون سبباً في مساعدته ليؤدي الامتحان، مشهد بسيط تحت مقعد طالب كشف حقيقة تربوية كبيرة، الخير لا يحتاج إلى إمكانات، بل إلى نية صادقة وقلب واعٍ، فالطالب لم يحمل أقلاماً كثيرة ليشعر بالأمان، بل ليكون مصدر أمان لغيره، لم ينتظر طلبًا، ولم يبحث عن شكر، بل تصرّف بعفوية من تربّى على أن العطاء جزء من الحياة، وأن مساعدة الآخرين عبادة قبل أن تكون سلوكًا اجتماعيًا.

التربية التي لا تُكتب في الدفاتر

هذا الموقف لم يكن نتاج درس مدرسي، ولا نتيجة توجيه مباشر، بل ثمرة تربية بدأت في البيت، حيث تُغرس القيم قبل الكلمات، ويُمارَس الخير قبل أن يُطلب، هناك مدارس لا تُعلّق لوحات شرف، لكنها تصنع شرفًا حقيقيًا في النفوس، مدرسة البيت، حين تنجح، تُخرِج أبناءً يسبقون معلميهم إلى المعنى، ويعلّمون الكبار دون خطاب أو موعظة، فقط بسلوك صادق.

حين يصبح الطالب معلمًا

أقسى ما في القصة – وأجمل ما فيها – أن المربي اكتشف أن هذا الخير البسيط غاب عن باله وبال مؤسسته التعليمية، بينما حضر بقوة في وعي طفل، هنا يتحول الميزان، ويصبح الطالب معلّمًا، لا بالكلام، بل بالفعل، إنها لحظة مراجعة صامتة لكل من يظن أن التربية تُقاس بالتحصيل فقط، أو أن النجاح يُختصر في الشهادات.

الخير الصغير… أثره كبير

قلم زائد قد يبدو تفصيلاً تافها، لكنه في ميزان القيم فعل عظيم، هو جبر خاطر، ورفع حرج، ومشاركة في لحظة توتر، هذه التفاصيل الصغيرة هي التي تصنع إنسانًا متوازنًا، يشعر بالآخرين، ويتحرك بدافع داخلي لا خوفًا ولا مجاملة.

رسالة إلى الآباء والمربين

لسنا بحاجة إلى تربية أبنائنا على التفوق فقط، بل على الرحمة، والكرم، وملاحظة احتياجات الآخرين، نحتاج أن نعلّمهم أن الحق لا يُطلب دائمًا قبل الواجب، وأن الأخلاق لا تقل أهمية عن الذكاء، فصلاح الأبناء لا يأتي مصادفة، بل هو حصاد يومي لتربية واعية، وصبر طويل، وقدوة صادقة، ربوا أبناءكم على تحمُّل المسؤولية منذ الصغر واستشيروهم في الأمور الحياتية للأسرة وأخذ آرائهم وهذا يُنمي فيهم قوة الشخصية والقدرة على تحمُّل المسؤولية، وتعويدهم على ذلك.

أما احتقار الأبناء وعدم نصحهم يجعلهم يشعرون بعقدة النقص، فيبحثون عمَّا يثبتون به ذواتهم من أمور منحرفة وأصدقاء ضالين، وتصرفاتهم جوفاء ليس من ورائها شيء سوى محاولة لفت الأنظار إليهم.

كسرة أخيرة

التربية الصالحة لا تُقاس بما يحمله الابن من شهادات، بل بما يحمله من قيم.

والخير لا يحتاج إلى موارد كبيرة، بل إلى قلب حي.

وخير ما يتركه الآباء لأبنائهم تربية تقودهم إلى الإنسانية أولًا، وإلى الله قبل كل شيء.
*نقلا عن الشرق القطرية

Exit mobile version