هديل رشاد*
في مشهد لا يمكن تصنيفه إلا بوصفه ذروة الانحطاط الأخلاقي، أقدمت قوات الاحتلال الإسرائيلي، أمس الأول، على نبشٍ وحشي لمقبرة البطش في حي التفاح شرق مدينة غزة، العملية التي استمرت يومين شهدت أعمال نبش واسعة لمئات القبور وتجريفها، حيث تم استخراج جثامين فلسطينيين ونقلها للفحص في معهد الطب العدلي «أبو كبير» للتحقق من هوية «الجيفة» الجندي الإسرائيلي ران غويلي بالاستناد إلى ما نشرته قناة الجزيرة، مما يؤكد أن في غزة لا حصانة لأحد، فالكل مستباح بأمر نتنياهو وولي نعمته، حيث مئات القبور جرى فتحها، ومئات الجثامين أُخرجت وشهدها العالم في مشهد يثقل الأرواح، فالفلسطيني لا راحة له حتى بعد دفنه.
نبش القبور لا يمكن تبريره بذريعة استعادة «الجيفة» الإسرائيلي، ما جرى جريمة أخلاقية، وجريمة قانونية، وجريمة سياسية بامتياز. فاحترام الموتى وحرمة القبور مبدأ راسخ في كل القوانين الدولية والأعراف الإنسانية، بما فيها اتفاقيات جنيف التي تُلزم أطراف النزاع باحترام كرامة الموتى وعدم التمثيل بجثثهم أو العبث بها، لكن الاحتلال مرة أخرى، يتصرف باعتباره فوق القانون، فلا سقف لهمجيته ولا سقف لإجرامه، محميا بالتواطؤ العالمي ضد فلسطين وشعبها.
الصور التي خرجت من غزة أمس الأول لمشاهد الحفر والنبش لا يمكن فصله عن السياق الأوسع لما يجري في غزة منذ أكتوبر 2023 حرب إبادة ممنهجة، استهداف للمدنيين، تدمير للمستشفيات، حصار وتجويع، وحتى الموت لم يعد ملاذًا آمنًا للفلسطيني، هذا السلوك يصف بدقة حالة الانحدار الأخلاقي الذي يعيشه الاحتلال، وينم عن عقلية استعمارية ترى في الفلسطيني، حيا أو ميتا، مجرد وسيلة لتحقيق هدف عسكري أو دعائي.
السؤال الأهم، ماذا لو أن من قام بهذا الفعل حركة حماس؟ أو دولة عربية؟ هل كان المجتمع الدولي سيقف مكتوف الأيدي، هل سيلتزم المجتمع الدولي الصمت كما يفعل وفعل في العديد من القضايا التي تكون فيها إسرائيل طرفا؟
بالتأكيد لا، بل كانت الدنيا ستقوم ولن تقعد، كنا سنشهد جلسات طارئة لمجلس الأمن، وإدانات شديدة اللهجة، وعقوبات فورية، وحملات إعلامية عالمية تصف الفعل بـ»البربري» والهمجي، وتُساق فيه مفردات انتهاك القيم الإنسانية، وسيصنف فعلاً إرهابيا، فعلاً يعود بنا إلى العصور الوسطى!.
لكن عندما يكون الفاعل هو إسرائيل، تنقلب المعايير رأسا على عقب، يُعاد تعريف الجريمة، وتُخفف اللغة، ويُبحث عن تبريرات، والصمت يكون تبريراً للجريمة، وانحيازا فاضحا، حتى باتت ازدواجية المعايير بنية راسخة في النظام الدولي، حيث تُمنح إسرائيل حصانة أخلاقية وسياسية لا تُمنح لأي طرف آخر.
الأخطر من ذلك أن هذا الصمت يبعث برسالة واضحة: الفلسطيني مستباح، حتى في قبره. هذه الرسالة لا تُهدد الفلسطينيين وحدهم، بل تقوض فكرة القانون الدولي ذاته، حين يُسمح لقوة احتلال أو أي قوة أخرى بأن تنبش القبور دون محاسبة، فإن كل الخطاب الغربي عن حقوق الإنسان والكرامة الإنسانية، ما هو إلا خطاب أجوف انتقائي مجرد من المصداقية، سيق لمجتمعاتنا لترهيبها لا لإنصافها.
وفي هذا السياق، لا يقتصر الأذى على انتهاك حرمة الموتى، بل يمتد ليطال ذويهم نفسيا ومعنويا، إذ يُترك الأهالي في حالة شك دائم حول مصير رفات أحبتهم ومواقع دفنهم، دون أي معلومة رسمية أو ضمانة، في شكل من أشكال التعذيب النفسي القاسي، وقد دفع ذلك عددا من العائلات إلى مطالبة اللجنة الدولية للصليب الأحمر بالتدخل لإعادة دفن الجثامين التي جرى إخراجها، وضمان التعامل معها بكرامة، في مشهد يختصر عمق الانكشاف الإنساني الذي يعيشه المدني الفلسطيني.
ويعزز هذا الواقع ما وثقه المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان، الذي أشار إلى أن الجيش الإسرائيلي دمر 21 مقبرة من أصل 60 في قطاع غزة خلال العامين الماضيين، وعمل بشكل منهجي على تخريب ونبش المقابر في مختلف المناطق التي نفذ فيها توغلات برية، بما شمل تجريف القبور، واستخراج الرفات، وسحقها بالآليات العسكرية، ما أدى إلى اختلاط الرفات واختفائها، وتضرر القبور المجاورة لمواقع الحفر، كما أن اتساع نطاق فتح القبور واستمرار العمليات في ظل غياب أي جهة فلسطينية أو دولية محايدة، مثل اللجنة الدولية للصليب الأحمر، ما يفتح الباب أمام تجاوز حدود البحث عن جثمان محدد، ويضاعف مخاطر انتهاك حرمة المقابر ورفات الموتى في أي وقت يراه المحتل، بما في ذلك سلب الجثامين أو نقلها أو العبث بها دون أثر قابل للتتبع.
في المحصلة، ما حدث من نبش وحشي للقبور ليس حادثاً معزولاً، بل انعكاس صريح لواقع الاحتلال المجرم، الذي تجاوز كل الخطوط الحمراء، مدفوعا بإفلات دائم من العقابب، إن استمرار الصمت الدولي، أو الاكتفاء ببيانات باهتة، لا يعني فقط التواطؤ مع الجريمة، بل المشاركة في إعادة تعريف الإنسانية وفق المعايير الاستعمارية، حيث تُمنح الكرامة للبعض، وتُسلب بالكامل من البعض الآخر.
ختاما…
وحتى يُكسر هذا الصمت، ستبقى قبور الفلسطينيين شاهدة، لا على موتهم فقط، بل على فشل المجتمع الدولي في الدفاع عن أبسط ما تبقى من إنسانيته.
*عن الشرق القطرية
مشهد أثقل الأرواح!
