اليمن الحر الأخباري

رأيت ذات فيلم!

محمد القاسمي*

رغمَ عشقي للأدبِ الإنجليزي الكلاسيكي، لم أكن يومًا من هواة أعمال «وليام شكسبير»، خاصّةً مأساوياته الشهيرة: «روميو وجولييت» و«الملك لير» و«ماكبث» و«عطيل» و«هاملت»، ولطالما شعرت أنّ هذا النوع من التراجيديا المسرحية لا يشبه الحياة كما أعرفها، ولا يعكس واقع المُجتمع الذي أجد نفسي أقرب إليه في أعمال «تشارلز ديكنز»، و«جين أوستن»، و«فرانسيس هودغسون برنيت»، التي لا تسعى إلى إبهارنا بالمآسي الكبرى بقدر ما تنصت للإنسان العادي ومشاعره. «هامنت» هو فيلم جميل ومؤلم ومؤثّر، يتناول الجانب الإنساني الخفي من حياة «شكسبير»، مع وفاة ابنه الصغير «هامنت»، وكيف يغرق في الحزن والألم، ونرى زوجته «أنييس»، وهي امرأة حسّاسة جدًّا، ومتصلة بالطبيعة، وتجعل الأمومة محور حياتها، وتواجه الفقد بصمتٍ قاسٍ وثقيل.

وتركّز الأحداث على أثر الغياب داخل بيت «شكسبير»، حيث يتحوّل الحزن إلى فراغ لا يُملأ، وتصبح الكتابة لاحقًا محاولة يائسة لمداواة الجرح، ولا يسعى فيلم «هامنت» إلى تفسير مسرحية «هاملت»، بل إلى تأمّل الألم الذي سبقها، من خلال قصة عن الفقد، والأمومة، والزواج، وكيف يمكن للحزن الشخصي أن يتحوّل إلى مأساة أدبية خالدة. لا أخفي أنّني لست من محبّي أفلام الكاتبة والمُخرجة الصينية «كل وي جاو»، فأسلوبها الإخراجي يفتقر للإبداع، وكتاباتها تميل إلى الرتابة والتكرار، ولم أرَ فيها مخرجة مُناسبة لفيلم بهذا الثقل اللغوي والأدبي والعاطفي.

لكن هذا هو الفيلم الوحيد الذي أعجبني لها فعلًا، وربما لأنّ النص السينمائي المُقتبس لم تكتبه وحدها، بل تعاونت مع كاتبة الرواية الأصلية «ماغي أوفاريل»، وقد تخلّت هنا عن برودها المُعتاد، وركزت على أداء المُمثلين.

تحمل «جيسي باكلي» الفيلم بالكامل على كتفيها، في أداء مذهل بشخصية «أنييس»، أما «بول مسكال»، فيقدم «شكسبير» كرجل هادئ، وعاجز عن التعبير، ويهرب إلى الكتابة لأنه لا يستطيع مواجهة الألم مباشرة، وبقية الممثلين، بمن فيهم الأطفال، قدموا أداءً رائعًا.

يتميّز الفيلم بتصوير شاعري هادئ، يعتمد على الإضاءة الطبيعية والمساحات المفتوحة، ليعكس العزلة الداخلية للشخصيات، أما الموسيقى التصويرية ل «ماكس ريختر»، فهي لا تشرح الألم، بل تعيشه، من خلال النغمات المُتكررة والحزينة، التي تزيد من شعور الاختناق، وتجعل المُشاهد غارقًا في الحالة النفسية حتى النهاية.

الفيلم يُعرَض حاليًّا في سينمات قطر والعالم، وقد ترشّح ل 8 جوائز أوسكار، لأفضل فيلم وأفضل إخراج وأفضل نص سينمائي مُقتبس وأفضل ممثلة «جيسي باكلي» وأفضل اختيار ممثلين وأفضل موسيقى تصويرية وأفضل تصميم مواقع وأفضل تصميم أزياء.
*عن الراية القطرية

Exit mobile version