اليمن الحر الأخباري

التداعيات الجيوسياسية المحتملة للتحشيد العسكري الأمريكي!

د. هاني الروسان*
يبدو أنه صار من الضروري في خضم هذا الضجيج الإعلامي حول طبيعة التحشدات العسكرية الأمريكية والاختلاف في التوقعات التي ستتمخض عنها، أن نميز بين مفهومي الحرب الشاملة وبين عملية وإعادة تشكيل مناطق النفوذ ولو عبر عمل عسكري، حيث الأهداف في هاتين الحالتين مختلفتان اختلافاً جذرياً. ففيما تسعى الحرب وعبر الاستخدام واسع النطاق لمفهوم القوة إلى تغيير كلي للواقع القائم، فإن العمل العسكري المحدود يسعى لإعادة ضبط قواعد السلوك. وفي هذا السياق تحديداً، فإن تخارجاً كبيراً يبرز بين الأهداف الإسرائيلية من وراء أي عمل عسكري ضد إيران، وبين الأهداف الأمريكية.
والحقيقة ان هذا التخارج ليس مجرد خلاف تكتيكي على حجم الضربة، بل هو صدام بين استراتيجيتين للوجود؛ فإسرائيل التي استشعرت مبكراً انسداد أفق “اتفاقات إبراهيم” وارتطامها بصلابة الرفض الشعبي العربي الذي حال دون تحويل التطبيع إلى “تحالف بنيوي”، باتت ترى في إسقاط النظام الإيراني مخرجاً اضطرارياً لبعث “عقيدة المحيط” من مرقدها واعادة تطويق مناطق الجوار. بمعنى انها محاولة اسرائيلية للالتفاف على العقم الاستراتيجي في المحيط العربي من ناحية، واستئناف رؤيتها لاسرائيل الكبرى، عبر استعادة إيران كـ “حليف عضوي” غير عربي، يمتلك مقومات الدولة القومية والكتلة الحيوية القادرة على مقاسمتها الهيمنة، بما يضمن تهميش “المركز العربي” وتحويل جيوغرافيته إلى مجرد مسرح خلفي وممرات لوجستية تخدم محور (تل أبيب-طهران) الجديد.
بالمقابل، تقف واشنطن أمام معضلة ما يمكن تسميته ب”الانتصار الانتحاري”؛ إذ تدرك أن الاستجابة للرغبة الإسرائيلية في “تغيير النظام” ستؤدي فوراً إلى تصفية “الوظيفة السياسية” للنظم العربية التي استمدت لعقود شرعيتها الدولية من كونها “رأس حربة” ضد التمدد الإيراني، فتلاشي “الخطر الإيراني” يعني بالضرورة تفكيك حلقة “التبعية الأمنية” التي تضمن لواشنطن السيادة على الخليج، وهو ما يفسر الحذر الأمريكي الشديد من الانزلاق وراء الطموح الإسرائيلي الذي يريد حرق المراحل. وما يعزز هذا الحذر هو الرصد الدقيق للحراك الإقليمي المضاد الذي بدأت تتبلور ملامحه فيما يمكن تسميته بـ “الدرع الجيوسياسي العربي-الإقليمي”؛ حيث لم تعد الرياض والقاهرة وأنقرة تكتفي بموقف المتفرج، بل انتقلت لمرحلة “الهجوم الدبلوماسي الاستباقي” عبر ديناميكية بكين، التي أسست لتقارب سعودي-إيراني يهدف بالدرجة الأولى لسحب ورقة “الحرب الشاملة” من يد تل أبيب.
هذا الحراك الإقليمي، الذي يمتد لينسج خيوطاً مع باكستان وتركيا، يرسل إشارة واضحة لواشنطن بأن أي محاولة لإعادة صياغة المنطقة عبر بوابة “تحالف المحيط” الإسرائيلي-الإيراني ستدفع هذه القوى دفعاً غريزياً نحو المحور الأوراسي (الصين وروسيا). فالعواصم العربية تدرك أن “اليتيم الجيوسياسي” الذي سينتج عن سقوط طهران في حضن إسرائيل سيعني نهايتها كلاعبين إقليميين، وهو ما يجعل معه الارتماء العربي في أحضان بكين -الضامن لاتفاق الاستقرار الإقليمي- خياراً وجودياً لا مناورة تكتيكية. ويبدو ان تردد واشنطن في حسم الورقة العسكرية ليس مرده الخشية من قوة النظام الإيراني الحالي بقدر ما تخشى “الفراغ” الذي سيتركه غيابه، والذي سيملأه النفوذ الصيني والروسي حتماً عبر استقطاب الوحدات العربية المذعورة من “كماشة” (إسرائيل-إيران الجديدة).
ولفهم عمق هذا التخارج، لا بد من الغوص في طبقاته التاريخية والاستراتيجية. فـ”عقيدة المحيط” الإسرائيلية ليست ردّة فعل حديثة، بل هي استراتيجية متجذرة تعود إلى خمسينيات القرن الماضي، حين سعت تل أبيب لتطويق العالم العربي عبر تحالفات مع إيران الشاه وتركيا وإثيوبيا. ومحاولة “استعادة” إيران اليوم لهذه الاستراتيجية هي حنين لماضٍ استراتيجي يُتجاهل أن إيران أصبحت كياناً أيديولوجياً معقداً لا يمكن اختزاله إلى تابع جيوسياسي، وأن محاولة إسقاط نظامها قد تفتح باب فوضى تجعل من سقوط بغداد 2003 نموذجاً مصغراً عن الكارثة المتوقعة. هذا هو جوهر “الانتصار الانتحاري” الذي تدركه واشنطن: فالإطاحة بصدام حسين، رغم تحقيق الهدف التكتيكي المعلن عنه حينها، الا انها هيأت الأرضية لصعود نفوذ إيران الإقليمي وأنهكت القوة الأمريكية في مستنقع الاستزاف في آسيا الوسطى، وهو سيناريو ترفض البنتاغون تكراره مع قوة بحجم وتماسك إيران.
كما أن تطور “الدرع الجيوسياسي العربي-الإقليمي” ليس مجرد رد فعل عاطفي، بل هو تحول بنيوي تُظهره وقائع ملموسة. فالتطبيع السعودي-الإيراني برعاية صينية عام 2023 يمثل إعادة تعريف جذرية لمصالح الرياض، حيث انتقلت من خطاب “المواجهة والمجابهة” إلى “الاحتواء والتعايش”، بل والشراكة الاقتصادية والأمنية المحتملة تحت مظلة منظمات مثل “شانغهاي للتعاون”. وهذا التحول لم يعد سعودياً فحسب، بل أصبح حتى إماراتياً عبر بوابة الاستثمارات المشتركة مع طهران، ومصرياً عبر التنسيق الأمني في البحر الأحمر، وتركياً عبر الدبلوماسية الاقتصادية النشطة مع جميع أطراف الأزمة، وباكستان، بدورها، تضيف بُعداً نووياً وإسلامياً وقدرات عسكرية هائلة لهذا المحور، مما يحول دون تحقيق احلام اسرائيل بالهيمنة على المنطقة عسكرياً أو إخضاعها.
على المستوى النظري، يمكن فهم هذا التخارج عبر مفهومين مركزيين: الأول هو نظرية “العدو المناسب” أو الضروري. فإيران، في الاستراتيجية الأمريكية، هي عدو “محتوى” و”مُدار” يبرر الوجود العسكري الضخم في الخليج، ويحافظ على تدفق صفقات الأسلحة، ويجعل من واشنطن الحَكَم والحامي الذي لا غنى عنه، واختفاء هذا العدو يُفقد الولايات المتحدة ورقتها الأقوى في التفاوض مع حلفائها وخصومها على حد سواء. والثاني هو مفهوم “عدم الاستقرار المُدار” الذي ترفض إسرائيل قيوده. فبينما تريد أمريكا إبقاء المنطقة في حالة من التوتر الكافي لضمان تبعيتها، ولكن دون انفجار كامل يجرها لحرب مفتوحة، تريد إسرائيل استغلال التفوق العسكري اللحظي لفرض واقع استراتيجي جديد نهائي، حتى لو أدى ذلك إلى زعزعة النظام الإقليمي برمته.
لذلك، يظل التحشيد الأمريكي الراهن محكوماً بمنطق “الردع الجراحي” الذي يستهدف تقليم أظافر طهران وضبط سلوكها دون اقتلاع نظامها، لتظل إيران “عدواً محتوًى” يبقي العرب تحت الوصاية الأمنية الأمريكية، وفي الوقت ذاته يمنع إسرائيل من التغول الاستراتيجي الذي قد ينهي الحاجة للمظلة الأمريكية في الإقليم. إنه تخارج، تصر فيه إسرائيل على “تغيير الواقع” للهروب من فشل اندماجها العربي، بينما تصر أمريكا على “إعادة ضبط السلوك” الايراني للحفاظ على توازن القوى الذي يضمن بقاءها القطب الأوحد، وسط ترقب إقليمي يدرك أن أي خطأ في الحسابات قد يحول الجغرافيا العربية إلى مائدة لتقاسم نفوذ قادم السيادة فيه للقوى غير العربية تحت رعاية دولية قد لا تكون أمريكية هذه المرة. فالخطر الأكبر على واشنطن ليس في فشل الضربة العسكرية، بل في نجاحها الشيطاني الذي قد يدفع “الدرع العربي-الإقليمي” إلى الانصهار الكامل في المحور الأوراسي، ليُختَم العهد الأمريكي في الشرق الأوسط ليس بانهيار، بل بانسحاب سلس لقوى إقليمية وجدت في بكين وروسيا ضامنين لاستقرار لم تجده تحت المظلة الواقية التي تحولت إلى مظلة خانقة.
*كاتب واكاديمي تونسي

Exit mobile version