عباس السيد*
قبل عام 1990، كانت الوحدة اليمنية هي ذروة أحلام اليمنيين وآمالهم، كانوا يعتقدون أن توحيد اليمن سيخلق دولة عربية عظمى، وستطوى إلى غير رجعة كل مراحل الضعف والتمزق والهوان .
أعلنت الوحدة في 22 مايو 1990 م، استبشر اليمنيون خيرا وأطلقوا العنان لأحلامهم، ولاح لهم ” لأول مرة، ” اليمن السعيد ” عاشوا سعادة اللحظات ، وغمرت دموع الفرحة تراب الوطن .
ودعوا الماضي، وهموا بركوب سفينة الوحدة متجهين نحو المستقبل .. ومع بداية الرحلة، بدا لهم أن طاقم السفينة دون المستوى، لا خبرات فنية ولا حنكة سياسية، ولا مسؤولية وطنية، ولا يمتلكون سوى أنانية مفرطة . كثير من طاقم السفينة لا يعرفون المحافظات اليمنية، قريته هي وطنه، وقبيلته عالمه .. كم زار الشيخ عبدالله مدينة تعز مثلا ؟
حتى جيل الأبناء الذين كانوا يتأهبون لاستلام مقصورة القيادة كانوا صورة لجيل الآباء، فحميد الأحمر مثلا، لا يعرف في عدن سوى منزل علي سالم البيض ” الذي اشتراه من أخيه الشيخ صادق ” وأحمد علي يعرف القرية الصنعانية في دبي أكثر من معرفته لصنعاء القديمة، ولا يعرف من محافظة ذمار سوى مزارع ومنتجعات الجر ورصابة .
سفينة الوحدة التي كانت أمل اليمنيين في نقلهم إلى المستقبل الأفضل، تحولت إلى يخت عائلي، ولم تستوعب حتى كل عائلات الطاقم .
استأثر الربان صالح بكل شيء .. أحب نفسه كثيرا، ومن الحب ما قتل .
سفينة الوحدة أصبحت بلا طاقم ولا ربان، تتقاذفها الأمواج ومهددة بالغرق .
حتى مؤتمر الحوار الوطني الذي استمر عاما كاملا، فشل في إنقاذ السفينة، فخيار تفكيك السفينة وتحويلها إلى ” ستة مراكب ” صغيرة، لم يكن حلا مناسبا، بل كان انعكاسا لعدوى وباء الأنانية الذي انتقل من قيادات السلطة إلى النخب والناشطين ..
إنقاذ سفينة الوحدة يحتاج أولا إلى الوعي بقيمتها وأهميتها بالنسبة لليمن واليمنيين عموما . لا يمكن تقدير قيمة الوحدة بما تمتلكه هذه المحافظة أو تلك، هذا تقدير من لا يرى أبعد من أنفه .
إنقاذ الوحدة وحمايتها يحتاج إلى تضحية وحلول إبداعية والتجرد من الأنانية وتقديم تنازلات . لا يكفي أن نرفع شعار ” الوحدة أو الموت ” كما فعل صالح .. فمن يقول بذلك كمن يضع الملح على الجرح .
لم يكن صالح قادرا على توحيد العاصمة صنعاء، فكيف له أن يحمي وحدة الجمهورية ؟ .
ألم يكن لمدينة صنعاء “شمال وجنوب ” السبعين لصالح والحصبة للأحمر ؟ ألم تكن ” الفرقة المدرعة ” في ” سواد حنش ” والحرس ” في عطان ؟.
شعار ” الوحدة أو الموت ” قد يكون خيارا مناسبا لو أضيف إليه ” والعاصمة حضرموت ” . بهذا الخيار يمكن ضرب ـ ليس عصفورين ـ بل أسراب من العصافير والغربان بحجر واحد، ومن أهمها :
عصافير وغربان القضية الجنوبية الذين يستغلونها كـ ” قضية جيوبية ” .
عصافيروغربان المناطقية والطائفية المتباكين مما يسمونه ” هيمنة الهضبة ” .
عصافير وغربان النزعة الحضرمية الذين يرون في حضرموت أقرب للجيران منها إلى الأهل .
غراب البين السعودي وأطماعه في الشرق اليمني وخاصة حضرموت .
لا مجال هنا لسرد كل العصافير والغربان التي ستضرب بهذا الحجر . ولنسأل :
أليس في هذا الخيار رد اعتبار للجنوب، وإعلاء مكانة حضرموت ؟ هل سيرفض الحضارم أن تكون المكلا عاصمة الجمهورية اليمنية، وتعمير محافظة حضرموت التي تتجاوز مساحتها سوريا ؟ .
والسؤال الأهم : هل ما يزال هناك متسع من الوقت لإنقاذ سفينة الوحدة، أم أن الوقت فات ؟.
*نقلا عن الثورة
