اليمن الحر الأخباري

حين يشتري الصهاينة السردية… ويشتري العرب كرة القدم!

سارة محمد مرزوڨي*
لم يكن اعتراف بنيامين نتنياهو، خلال لقائه بالجالية اليهودية في الولايات المتحدة خريف العام الماضي، زلّة لسان ولا لحظة ضعف عابرة. حين أقرّ صراحة بأن “إسرائيل تخسر معركة السردية في حرب غزة، خصوصًا على تيك توك”، كان يعلن هزيمة من نوع جديد: هزيمة الصورة، وهزيمة الرواية، وهزيمة الوجدان العالمي.
والأخطر من الاعتراف، كان ما تلاه: الفهم الصهيوني السريع لطبيعة المعركة. إذا كنا نخسر على المنصات… فلنشتري المنصات.
هكذا تفكر الدول الاستعمارية: لا تراهن على الأخلاق، بل على التحكم في أدوات تشكيل الوعي. تيك توك لم يكن بالنسبة لنتنياهو تطبيقًا ترفيهيًا، بل ساحة حرب حقيقية، أخطر من مجلس الأمن وأوسع تأثيرًا من القنوات الإخبارية.
في المقابل، كان المشهد العربي يسير في الاتجاه المعاكس تمامًا: مليارات تُضخ في شراء أندية كرة قدم أوروبية، وصفقات لاعبين، ورعاية بطولات… بلا أي استثمار في السردية، ولا في الوعي، ولا في الدفاع عن قضية هي الأكثر عدالة في العصر الحديث: فلسطين.
المفارقة الصارخة أن كرة القدم، التي تُصرف فيها هذه المليارات، تُعدّ من أقوى أدوات التأثير الجماهيري في العالم. لاعب واحد، إشارة واحدة، شارة ذراع واحدة، قادرة على تحريك ملايين العواطف وتغيير اتجاهات الرأي العام.
ومع ذلك، نادرًا ما استُخدمت هذه القوة الناعمة في لحظة الإبادة المفتوحة في غزة. أندية “مملوكة عربيًا” التزمت الصمت البارد، ولاعبون ترعاهم أموال عربية اختاروا الحياد، وكأن الدم الفلسطيني شأن خارجي لا يخصهم.
في الجهة الأخرى، لم نشهد صهاينة يشترون أندية كرة قدم أو نجوماً عالميين لتلميع صورتهم. لم يفعلوا ذلك لأنهم أدركوا أن المعركة الحقيقية لم تعد في الملاعب، بل على الشاشات الصغيرة، في الخوارزميات، وفي التحكم في تدفق الصورة والخبر.
الصهيونية لا تشتري اللاعب… بل تشتري المنصة التي ستحدد ما يراه هذا اللاعب وما لا يراه العالم عنه.
وسط هذا الصمت المريب، جاء استثناء لافت: بيب غوارديولا. مدرب عالمي، في موقع نفوذ رياضي وإعلامي هائل، يخرج عن النص، ويعلن تضامنه العلني والمطلق مع القضية الفلسطينية.
المفارقة أن غوارديولا يقود مانشستر سيتي، النادي المملوك إماراتيًا. أي أن الصوت الأخلاقي لم يخرج من “المالك”، بل من المدرب. من الفرد، لا من المؤسسة. من الضمير، لا من الاستثمار.
هنا تتعرّى المعضلة العربية في أبسط صورها:
نملك المال، ولا نملك الرؤية.
نشتري التأثير، ولا نعرف كيف نستخدمه.
نملك المنصات الرياضية، ونتخلى عن المنصات السردية.
بينما العدو، الذي خسر أخلاقيًا، يسعى بكل براغماتية إلى شراء العقل العالمي.
ليست المشكلة في كرة القدم، ولا في الاستثمار الرياضي. المشكلة في الانفصام بين المال والمعنى. في عالم تُخاض فيه الحروب بالسرديات قبل الصواريخ، يصبح شراء منصة تواصل أخطر من شراء دبابة، ويصبح التحكم في الخوارزمية أهم من الفوز بدوري أبطال أوروبا.
غزة لا تحتاج دموعًا على المدرجات، بل معركة وعي تُدار باحتراف.
والسؤال الذي يجب أن يُطرح بجرأة:
لماذا فهم نتنياهو أهمية تيك توك… ولم يفهمها العرب بعد؟
*كاتبة جزائرية

Exit mobile version