د.جلال جراغي*
بعد التحشيدات العسكرية الأمريكية غير المسبوقة في المنطقة، من إرسال حاملتي طائرات وبوارج وسفن حربية إلى المياه الإقليمية، وتحركات واسعة في قواعدها العسكرية في المنطقة، بهدف الاستعداد لشنّ هجوم على إيران بدعوى القضاء على القوة الصاروخية والنووية الإيرانية ــ التي كان ترامب يدّعي أنه تمكّن من القضاء عليها ــ يبدو أن ترامب أصبح مترددًا في تنفيذ خطته الهجومية.
هناك عدة أسباب واعتبارات وراء تردد ترامب في القيام بعمل عسكري ضد إيران، وأهمها ما يلي:
أولًا: نجحت إيران في الاستعداد للحرب ووضع خطط مضادة للعدو، ما مكّنها من إسقاط عنصر المفاجأة الذي كانت تعتمد عليه الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي في أي هجوم على إيران، حيث أظهرت قوتها الصاروخية وحزمها في خوض حرب إقليمية واسعة.
ثانيًا: ظهور قائد الثورة الإسلامية، الإمام علي خامنئي، في مرقد الإمام الخميني، مفجّر الثورة الإسلامية، عكس موقفًا حازمًا وقويًا، وكانت له دلالات كبيرة، إذ أكد أن إيران ستستمر في نهج الإمام الخميني القائم على الصمود والثبات، دون الاكتراث بغطرسة الولايات المتحدة ورئيسها، وأنها لن تتراجع عن قوتها، وستتعامل بحزم وقوة مع أي عدوان أمريكي على البلاد.
ثالثًا: أثبتت إيران بالفعل أنها قوية وقادرة على ضرب الأهداف الأمريكية في المنطقة بمفردها، فضلًا عن أن الصين وروسيا أظهرتا أيضًا أنهما ستكونان إلى جانب إيران بطريقة أو بأخرى، والخطوات التي اتخذتاها حتى الآن تدل على أن القوتين تشعران بخطر حقيقي، ولذلك تقفان إلى جانبها.
رابعًا: أي ضربة، كبيرة كانت أم صغيرة، ضد إيران ستحوّل المنطقة إلى جحيم، كما قال الممثل الصيني في هيئة الأمم المتحدة. وعليه، فإن الحرب ستكون اقتصادية قبل أن تكون عسكرية، وستطال المصالح العالمية، حيث سيتم تعطيل ممرات الطاقة في المنطقة ومنع عبور آلاف ناقلات النفط والغاز إلى الأسواق العالمية، ما سيؤدي إلى انفجار أسعار الطاقة، خصوصًا في أسواق الدول الغربية والأوروبية، التي صنّفت مؤخرًا حرس الثورة الإسلامية كمنظمة إرهابية، الأمر الذي سيدفع الحرس إلى التعامل معها أيضًا كقوة إرهابية وستمنع ناقلاتها النفطية.
خامسًا: الوساطات التي تقوم بها دول عربية وغير عربية تجري على قدم وساق، غير أن فرص نجاحها تبقى محدودة، لأن إيران تتحرك من منطلق القوة، معتمدة على قدراتها الصاروخية والطائرات المسيّرة، التي لم ترَ الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي منها سوى رأس جبل الجليد، وبالتالي لن تقبل بالتراجع عن قدراتها المرتبطة بأمنها القومي.
سادسًا: تهدف هذه الوساطات، أولًا، إلى الحيلولة دون اندلاع حرب ستحرق الأخضر واليابس في المنطقة، وثانيًا، إلى إيجاد مخرج للرئيس الأمريكي يمكّنه من النزول عن الشجرة والتراجع مع الحفاظ على ماء وجهه.
خلاصة القول، إن التردد الأمريكي حتى الآن يدل على أن إيران صامدة وقوية، بل ومنتصرة قبل اندلاع أي حرب، لأن الولايات المتحدة تدرك جيدًا تبعات وتداعيات حرب شاملة قد تؤدي إلى زوال الكيان الإسرائيلي.
*كاتب وأكاديمي ومدير مركز آفاق للدراسات الإيرانية- العربية
لماذا يتردد ترمب في شنّ هجوم على إيران؟!
