اليمن الحر الأخباري

هل تُسدّد طهران حسابات القرن الماضي؟!

محمد أحمد المعشني*
بينما تمخر حاملات الطائرات الأمريكية عباب مياه الخليج في مطلع عام 2026، لا يرى القادة في طهران مجرد قطع بحرية متطورة؛ بل يرون أشباحاً تعود من أغسطس 1953. في الممرات الضيقة لمراكز القرار الإيراني، لم يعد الصراع الحالي يتعلق ببرنامج نووي أو نفوذ إقليمي فحسب، بل تحول إلى ما يشبه “المنازلة التاريخية الأخيرة” لتصفية حساب عمره أكثر من سبعة عقود…
​ظلال 1953 فوق مياه الخليج
​يقول المحللون إن الذاكرة السياسية لإيران ليست خطية، بل هي دائرية… ففي عام 1953، أطاحت وكالة المخابرات المركزية (CIA) بالديمقراطي القومي محمد مصدق بعد تأميمه للنفط، وهي الواقعة التي ظلت بمثابة “الخطيئة الأصلية” في العلاقات الثنائية. اليوم، وفي ظل الحشود العسكرية الأمريكية غير المسبوقة، تجد القيادة الإيرانية فرصة ذهبية لقلب الطاولة؛ ليس فقط بالبقاء، بل بإثبات أن “إيران 2026” تعلمت الدرس القاسي: أن الدبلوماسية بلا مخالب هي انتحار سياسي.
​من “تأميم النفط” إلى “تأميم السيادة”
​لقد أدركت طهران عبر عقود أن خطأ مصدق لم يكن في عدالة قضيته، بل في مراهنته على “قواعد اللعبة” الدولية في عالم لا يحترم إلا القوة الصلبة. فإذا كان مصدق قد خسر معركة تأميم الموارد أمام تحالف المخابرات البريطانية والأمريكية، فإن معركة 2026 هي في جوهرها معركة “تأميم السيادة الإقليمية الكاملة”. إيران اليوم لا تدافع عن حدودها فحسب، بل تسعى لانتزاع اعتراف قسري بنفوذها كقوة عظمى في المنطقة، وهو الوفاء المتأخر لمشروع مصدق الوطني الذي وُئد في مهده.
​عقدة الثورة: البنية العصية على الانكسار
​ما يتجاهله المخطط الاستراتيجي في واشنطن هو أن إيران 2026 ليست مجرد “دولة” يمكن إسقاطها بضربة عسكرية أو انقلاب ناعم، بل هي نتاج ثورة صهرت مؤسساتها في بوتقة “العقيدة والميدان”. لقد نجحت طهران في بناء “بنية تحتية” معقدة من المؤسسات العسكرية والاجتماعية المتداخلة، مما يجعل الرهان على “إثارة الشارع” عبر الضغط العسكري رهاناً خاسراً. فبينما كان نظام مصدق يعتمد على شعبية “شخص” أعزل، يعتمد النظام الحالي على شبكة متجذرة من الأيديولوجيا والمصالح تجعل من اختراقه عسكرياً مغامرة انتحارية؛ بل إن أي عدوان خارجي يعمل كـ “مادة لاصقة” تعيد لحم التناقضات الداخلية في مواجهة “العدو التاريخي”.
​مفارقة القوة: من “آجاكس” إلى الردع النشط
​على عكس مصدق الذي وجد نفسه وحيداً أمام انقلاب مدبر، تدخل إيران مواجهة 2026 وهي مدججة بترسانة من المسيرات والصواريخ الفرط صوتية. يرى القوميون الإيرانيون أن الثأر الحقيقي لمصدق لا يكمن في الشعارات، بل في تحويل مياه الخليج إلى منطقة محرمة على أساطيل واشنطن… إنها محاكمة متأخرة لـ “عملية آجاكس”، لكن بأدوات “الردع النشط”.
​”إنهم يحاولون ممارسة ضغوط ‘مصدق’ على دولة تمتلك قدرات ‘فوق إقليمية’” – يقول محلل سياسي مقرب من دوائر صنع القرار. “بالنسبة لنا، هذه ليست حرباً دفاعية، إنها عملية تصحيح لمسار التاريخ الذي انحرف قبل سبعين عاماً.”
​الخاتمة: هل يغلق التاريخ أبوابه؟
​إن “معركة محمد مصدق 2026” قد لا تُخاض بالضرورة بالصواريخ وحدها، بل بصراع الإرادات… فإيران تسعى لإثبات أن عهد التدخلات وتغيير الأنظمة قد ولى إلى غير رجعة.
​بين عام 1953 وعام 2026، تغيرت الأسلحة والموازين، لكن الجرح الذي تركه سقوط مصدق لا يزال هو الوقود المحرك للسياسة الإيرانية. وسواء انتهت هذه الأزمة باتفاق أو بانفجار، فإن طهران تصر على أن يكون التوقيع الأخير هذه المرة… إيرانياً خالصاً.
*كاتب عماني

Exit mobile version