اليمن الحر الأخباري

كيف حوّلت إيران تراجع أمريكا وإسرائيل إلى مكاسب إستراتيجية تاريخية؟

د. بسام روبين*
لم تعد إيران مجرد لاعب يدافع عن حدود وجوده أو يتفاعل مع الأزمات اليومية، بل تحولت بعمق إلى فاعل إستراتيجي يصيغ التحولات الدولية وينحتها لصالحه. في ظل تراجع أمريكي واضح، وإرتباك إسرائيلي متزايد، وظهور محور دولي جديد تقوده روسيا والصين،حيث إنقلبت المعادلة رأسا على عقب. فالمشهد الذي ظل يدار لعقود بإيقاع أمريكي أحادي، بات مفتوحا على توازنات قوى جديدة، منحت طهران فرصة تاريخية لإعادة تعريف دورها وحدود نفوذها ومستقبل قوتها.
كما ساهم في إنهيار هيبة الردع الأمريكي الإسرائيلي وإنتقال إيران من موقع الدفاع إلى الهجوم الناعم ،
ولم تعد التهديدات العسكرية المباشرة تطلق بسهولة، ولم يعد خيار الحرب السريعة والشاملة مطروحا بلا حساب، فواشنطن التي أنهكها التورط في حروب طويلة، وتل أبيب التي إكتشفت هشاشة جبهتها الداخلية أمام الصواريخ الإيرانية ، باتتا تتعاملان مع الملف الإيراني بمنطق الإحتواء لا الإسقاط ، وهذا التحول الجذري أتاح لإيران توسيع دائرة حركتها الإقليمية دون الخوف من الإنزلاق إلى حرب شاملة كانت تستخدم سابقا كأداة لإستنزافها. والنتيجة، ثقة عسكرية وسياسية متصاعدة، وقناعة راسخة بأن زمن الإملاءات الخارجية قد ولى، وفقا لما جاء على لسان مندوب روسيا الدائم في الأمم المتحدة ، من أن إيران اليوم أكثر إستعدادا لصد أي عدوان محتمل عليها مقارنة بصيف ٢٠٢٥ ،
ناهيك عن تحول النفوذ الإقليمي من تهمة إلى ورقة تفاوضية قوية،
فبعد سنوات من تصوير وجود إيران في العراق وسوريا ولبنان واليمن كـخطر يجب إقتلاعه أصبح ما بقي من هذا النفوذ حقيقة جيوسياسية ثابتة تدار على أساسها التفاهمات والمفاوضات الإقليمية والدولية، فلم تعد إيران طرفا هامشيا يمكن تجاوزه، بل لاعبا جوهريا يرسم الخرائط السياسية والأمنية في المنطقة بأفكاره وتحالفاته، وهذا الإنتقال من موقع التهديد إلى موقع الشريك يعد إنتصارا إستراتيجيا فرضته الوقائع على الأرض، وليس الخطابات في القصور الرئاسية.
وما عزز ذلك تلك المظلة الروسية الصينية فتحالف إستراتيجي يتجاوز الدعم ،
فالدعم الروسي الصيني لم يعد مجرد تصويت دبلوماسي مؤقت، بل تحول إلى مظلة إستراتيجية شاملة، فموسكو، في صراعها المصيري مع الغرب، وجدت في طهران شريكا حيويا في كسر الأحادية الأميركية، وبكين، في مشروعها الطموح لطريق الحرير وأمن الطاقة، تعتبر إيران عقدة مركزية لا غنى عنها، وهذا التحالف تجسد في تعاون عسكري متقدم، وشراكات إقتصادية وتكنولوجية عميقة، مكنت إيران من إختراق طوق العقوبات الغربية وفتح مسارات تمويل وتجارة بديلة. فالصين وروسيا لم تدعما إيران فحسب، بل إستثمرتا في صمودها كجزء من إستراتيجيتهما العالمية.
وفي مفارقة تاريخية، حولت إيران العقوبات من أداة ضغط إلى محرك للإبداع المحلي، في مجال الصناعات العسكرية والتقنية والأدوية والطاقة ، وشهدت قفزات غير مسبوقة، مدفوعة ، بضرورة الإعتماد على الذات ، فإعادة هيكلة الإقتصاد ليكون أقل هشاشة أمام الضغوط الخارجية ، أصبحت إستراتيجية وطنية ، والإنفتاح المتزايد على أسواق الشرق خفف من وطأة الحصار الغربي، لدرجة أن العقوبات باتت أداة محدودة التأثير، بل وحافزا للتكامل الإقليمي الشرقي.
وقد تمكنت إيران اليوم من التفاوض من موقع القوة، لا من موقع الخوف أو الإستعجال ، فكلما تراجع الضغط الأمريكي الإسرائيلي، إزدادت قيمة أوراقها التفاوضية في الملف النووي وفي الملفات الإقليمية. فطهران لم تعد تسابق الزمن لإنجاز إتفاقيات قد تضطر فيها لتنازلات مجانية، بل تدير الوقت لصالحها، مستفيدة من التحولات الدولية الكبرى لتعزيز شروطها وتثبيت مكاسبها.
والخلاصة تتمثل في أن إيران ليست مستفيدا عابرا بل رابحا إستراتيجيا في عالم متعدد الأقطاب ،
فهي لم تكسب فقط نفوذا إقليميا أو شرعية دولية، بل ربحت الزمن والحلفاء والأدوات، وربحت قبل كل شيء يقينا بأن العالم لم يعد يدار من عاصمة واحدة ،وهذا التحول من النظام الأحادي إلى التعددية القطبية كان مصلحة إيرانية عليا، وجعل طهران لاعبا لا يمكن تجاوزه في رسم مستقبل المنطقة.
والسؤال الذي يخشاه الغرب اليوم ،هو ، هل ما حققته إيران حتى الآن هو الحد الأقصى أم أننا ندخل عصرا جديدا تكتب فيه موازين القوى العالمية والإقليمية بيد من كانوا حتى الأمس تحت وطأة الحصار والتهديد؟ ويشير المشهد الإقليمي إلى أن القوة تتحول شرقا، وإيران إستطاعت، بدهاء وإستراتيجية بعيدة المدى، أن تكون في قلب هذه التحولات، لا على هامشها ، وهذا ما نتمناه لأمتنا العربية .
*كاتب اردني

Exit mobile version