اليمن الحر الأخباري

مفاوضات مسقط ومشروع نتنياهو لإعادة تشكيل الشرق الأوسط!

نجاح محمد علي*
في لحظة إقليمية بالغة الحساسية، تعود عُمان لتكون مسرحاً لقناة تفاوضية معلنة بين إيران والولايات المتحدة، وهذه المرة مع استمرار تهديد دونالد ترامب بشن حرب كبرى لاسقاط النظام في إيران ، وتزامناً مع اندفاع حكومة بنيامين نتنياهو نحو مشروع واسع لإعادة تشكيل خارطة الشرق الأوسط سياسياً وأمنياً. هذا التزامن يطرح سؤالاً مركزياً: هل يشكّل التفاوض الإيراني–الأمريكي في مسقط تهديداً مباشراً أو غير مباشر لخطط نتنياهو الإقليمية؟
هذا المقال يحاول الإجابة عن السؤال من خلال قراءة سياسية–استراتيجية معمّقة، تربط بين مسار التفاوض، وحسابات واشنطن، ومشروع نتنياهو الإقليمي، وموقع إيران في معادلة القوة الجديدة.
ـ أولاً: لماذا مسقط؟ ولماذا الآن؟
لطالما كانت سلطنة عُمان قناة خلفية موثوقة للتواصل بين طهران وواشنطن، منذ مفاوضات الاتفاق النووي الأولى، وحتى إدارة الأزمات الإقليمية المعقّدة مرورًا بمفاوضات ماقبل العدوان الصهيو أميركي الأخير في يونيو حزيران الماضي على الجمهورية الإسلامية . اختيار مسقط اليوم يعكس ثلاثة معانٍ أساسية:

رغبة أمريكية في تجنّب التصعيد المباشر في ظل استنزاف استراتيجي متعدد الجبهات، من أوكرانيا إلى بحر الصين الجنوبي.
ثقة إيرانية بأن هذه القناة لا تُستخدم للاختراق السياسي بل للتفاوض المتوازن دون ضغوط إعلامية أو ابتزاز علني.
إدراك مشترك بأن المواجهة المفتوحة ستكون مكلفة للجميع، لكنها قد تخدم طرفاً واحداً تحديداً: حكومة نتنياهو.
التوقيت أيضاً ليس عابراً. فترامب بات اليوم مثقلاً بملفات داخلية وخارجية معقّدة، من ضغوط اللوبيات إلى أزمات اقتصادية، خصوصًا بعد فضيحة ملفات إبستين، ويحتاج إلى إنجاز خارجي يثبت “قدرته على صناعة الصفقات”، فيما ترى إيران أن ميزان القوى الإقليمي بات أكثر ميلاً لصالحها مقارنةً بمرحلة الاتفاق النووي السابق.
ـ ثانياً: ما الذي يريده نتنياهو فعلاً؟
منذ سنوات، لا يخفي نتنياهو أن هدفه ليس فقط احتواء إيران، بل تفكيك نفوذها الإقليمي وإعادة رسم خرائط القوة في الشرق الأوسط، سياسياً وأمنياً وربما جغرافياً في بعض الساحات.

مشروع نتنياهو يقوم على أربعة أعمدة رئيسية:
تصفية محور المقاومة أو إضعافه جذرياً عبر ضربات مباشرة وغير مباشرة في فلسطين ولبنان وسوريا {ولو بعد سقوط بشار الأسد} والعراق واليمن.
منع إيران من امتلاك أي قدرة نووية ردعية، سواء عبر اتفاق “مفصّل على المقاس {الإسرائيلي}” أو عبر الخيار العسكري.
إعادة هندسة البيئة الإقليمية عبر التطبيع، والتحالفات الأمنية، وربط الأنظمة العربية بالمنظومة {الإسرائيلية}–الأمريكية.
استخدام التوتر الدائم كرافعة سياسية داخلية لبقاء نتنياهو وحكومته في السلطة، وتجاوز أزماتهم القانونية والسياسية.
من هذا المنظور، فإن أي تقارب إيراني–أمريكي، حتى لو كان محدوداً أو مؤقتاً، يُعدّ ضربة استراتيجية لهذا المشروع، لأنه يسحب الذريعة الكبرى التي تُستخدم لتبرير الحروب، والعقوبات، والاصطفافات، وهي “التهديد الإيراني الوجودي”.
ثالثاً: كيف تنظر إيران إلى هذه المفاوضات؟
إيران لا تدخل مفاوضات مسقط من موقع ضعف، بل من موقع مختلف جذرياً عمّا كانت عليه في 2013 و 2018 أو حتى 2225 . فهي اليوم:

تمتلك قدرات نووية متقدمة تجعل خيار الحرب محفوفاً بالمخاطر الاستراتيجية على خصومها.

تقود أو تؤثّر في محور إقليمي واسع ومتشابك يمتد من المنطقة الخليجية إلى البحر المتوسط.

راكمت خبرة سياسية وعسكرية تجعلها أكثر حذراً من الفخاخ الدبلوماسية وأقل اندفاعاً نحو التنازلات.
لهذا، فإن هدف طهران من التفاوض لا يتمثل في “العودة إلى الاتفاق النووي القديم”، بل في:
تحييد التهديد الأمريكي المباشر دون المساس بجوهر قوتها الردعية.
تقليص هامش المناورة لدى الكيان الصهيوني عبر فك الارتباط التلقائي بين واشنطن و الكيان اللقيط في الملف الإيراني.
إعادة تعريف موقعها في النظام الدولي بوصفها طرفاً تفاوضياً لا يمكن تجاوزه.
بعبارة أخرى، إيران تفاوض من أجل تثبيت معادلة الردع، لا من أجل تفكيكها.
ـ رابعاً: هل تشكّل المفاوضات تهديداً حقيقياً لمشروع نتنياهو؟
الإجابة الدقيقة: نعم، ولكن بشروط.
إذا نجحت المفاوضات جزئياً:
حتى اتفاق محدود أو مؤقت – كخفض التوتر، أو تجميد بعض الأنشطة مقابل تخفيف جزئي للعقوبات – سيؤدي إلى:
تقويض خطاب الكيان الصهيوني القائم على حتمية الحرب.
إضعاف قدرة نتنياهو على حشد الغرب خلف أجندته الأمنية.
منح إيران هامش حركة أوسع اقتصادياً وسياسياً وإقليمياً.
في هذه الحالة، لا تنهار خطة نتنياهو بالكامل، لكنها تتعرّض لخلخلة استراتيجية تُفقدها زخمها وشرعيتها الدولية.
إذا فشلت المفاوضات:
حتى في حال الفشل، فإن مجرد انخراط واشنطن في التفاوض مع طهران يرسل رسالة واضحة بأن:

الخيار العسكري ليس أولوية أمريكية حالياً حتى لو كانت المفاوضات خدعة كمقدمة لتنفيذ هذا الخيار .
واشنطن لا ترغب في الانجرار خلف أجندة تصعيدية {إسرائيلية} مفتوحة.
وهذا بحد ذاته يحدّ من قدرة نتنياهو على فرض أجندته الإقليمية، حتى لو لم ينتج عن التفاوض اتفاق.
السيناريو الوحيد الذي يخدم نتنياهو:
هو أن تُستخدم المفاوضات كغطاء لعملية خداع سياسي تؤدي إلى تشديد العقوبات، أو فرض شروط تفكيكية شاملة على إيران، أو تمهيد لضربة عسكرية. غير أن هذا السيناريو يبدو ضعيف الاحتمال في ظل التجارب السابقة، والتوازنات الدولية الحالية، ومواقف طهران المعلنة.
ـ خامساً: البعد الأمريكي – ترامب بين الصفقة والحرب
ترامب، رغم خطابه التصعيدي المعروف، يفضّل في العمق الصفقة على الحرب، خاصة إذا كانت الحرب طويلة، مكلفة، وغير مضمونة النتائج. وهو يدرك أن:
أي مواجهة عسكرية مع إيران ستكون إقليمية لا محلية.
ستكون فلسطين المحتلة في قلب النار، لا خارجها.
الاقتصاد الأمريكي لا يتحمّل حرباً جديدة في الشرق الأوسط.
لهذا، فإن تفاوض ترامب مع إيران – حتى لو بدا متناقضاً مع خطابه السابق – يعكس براغماتية سياسية أكثر مما يعكس تحوّلاً أيديولوجياً.
وهنا يكمن التناقض الأساسي مع نتنياهو:

ترامب يريد صفقة تُسجّل له إنجازاً تاريخياً، بينما يريد نتنياهو صراعاً دائماً يضمن له البقاء السياسي ويعيد تشكيل المنطقة وفق رؤيته

ـ سادساً: هل نحن أمام بداية تحوّل استراتيجي؟
قد لا تكون مفاوضات مسقط بذاتها كافية لإحداث انقلاب في موازين القوى، لكنها تشكّل:
كسر احتكار إسرائيل لتمثيل الموقف الغربي تجاه إيران.
إعادة فتح باب السياسة بعد سنوات من منطق الحرب القصوى.
اختباراً حقيقياً لحدود النفوذ الصهيوني داخل القرار الأمريكي.
وإذا تراكمت هذه المسارات، فإننا قد نكون أمام تحوّل استراتيجي أعمق من مجرد تفاوض تقني حول تخصيب اليورانيوم أو العقوبات.
أخيرًا ، مفاوضات إيران مع ترامب في مسقط لا تعني نهاية مشروع نتنياهو لإعادة تشكيل الشرق الأوسط، لكنها بالتأكيد تضعه أمام أول اختبار استراتيجي حقيقي منذ سنوات. فهي تسحب من تحت قدميه ورقة “الخطر الإيراني المطلق”، وتُعيد إدخال السياسة إلى ساحة كان يريد إبقاءها ساحة حرب مفتوحة.

المعركة اليوم لم تعد فقط بين صواريخ وطائرات، بل بين منطق الصفقة ومنطق الحرب، بين من يريد تثبيت الاستقرار ولو جزئياً، ومن يريد الفوضى الدائمة كأداة حكم ونفوذ.

وإذا نجحت السياسة، ولو نسبياً، فإن أول خاسر استراتيجي لن يكون إيران، ولا الولايات المتحدة، بل المشروع الذي بُني على أن لا حلّ إلا بالحرب.

*كاتب واعلامي عراقي

Exit mobile version