جاسم العزاوي*
يلتقي بنيامين نتنياهو اليوم بدونالد ترامب في البيت الأبيض للمرة السابعة منذ إعادة انتخاب الأخير. في الظاهر، يبدو اللقاء كاجتماع شمل لحليفين قديمين، أما في الحقيقة، فهو “مجلس حرب” لرجلين يائسين. وبينما ينحني كلاهما فوق الخرائط المنبسطة على طاولة ضخمة، سيعبق الجو برائحة البارود والحسابات السياسية المعقدة. فالأجندة الأساسية لا تقتصر على توجيه ضربة لإيران، بل تتمحور حول الحفاظ على إرثهما، وربما على حياتهما السياسية ذاتها.
سيقدم كبار ضباط الجيش والأمن القومي إيجازاً حول أحدث الحشود العسكرية في الخليج العربي. ومن المرجح أن يقطع ترامب، المتشكك دوماً في “الحروب الأبدية”، هذا الإيجاز بتساؤلاته الفجة التي تؤرق البنتاغون:
“هل سينهار النظام الإيراني حقاً هذه المرة، أم أننا نكتفي بإثارة غضبهم؟” “هل يمكننا قطع رأس القيادة جراحياً، أم أن الرأس يقبع في أعماق سحيقة تحت الأرض؟”
وتشير التقارير إلى أن نتنياهو يحمل معه معلومات عسكرية وأمنية “حساسة” لتزويد الأمريكيين بها، سعياً لتدمير أهداف استراتيجية. نتنياهو مصمم على إقناع ترامب بأن توجيه ضربة ثانية يصب في مصلحة كليهما.
تخيم ظلال عملية “مطرقة منتصف الليل” (Operation Midnight Hammer) التي جرت في عام 2025 على هذا الاجتماع. فبالنسبة لنتنياهو، فشلت حرب يونيو في توجيه الضربة القاضية التي كان يأمل أن تسكت منتقديه. كما أن المكاسب السياسية التي توقعها القائدان لم تتحقق أبداً؛ فرغم تفاخر ترامب بأن الولايات المتحدة “سحقت برنامجهم النووي”، إلا أن تقييماً حديثاً لوكالة استخبارات الدفاع (DIA) يشير إلى أن ضربات القاذفات “B-2 Spirit” لم تؤخر التخصيب إلا لأشهر وليس لسنوات. هذه المرة، لا يمكن أن تكون الرهانات أعلى من ذلك: إنها مسألة حياة أو موت لنتنياهو. وسيطالب ترامب بمعرفة الجواب:
هل تستطيع حاملة الطائرات “أبراهام لينكولن” النجاة من سرب من الصواريخ الدقيقة العابرة للصوت؟ وهل ستمنح رادارات المراقبة الصينية ثلاثية الأبعاد بعيدة المدى (YLC-8B) “الملالي” تحذيراً كافياً لتحييد مقاتلاتنا من طراز F-35؟
إن الواقع الجيوسياسي أكثر قتامة من الخطابات الرنانة. وكما أشار المقدم جوناثان كونريكوس من “مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات” مؤخراً، فإنه رغم امتلاك الولايات المتحدة للقدرات العسكرية في موقعها، إلا أن “الفرصة العملياتية التكتيكية” ضيقة للغاية. فإيران لم تعد مجرد مصدر إزعاج إقليمي دائم، بل أصبحت “حيواناً جريحاً” يمتلك ترسانة هائلة تم تحديثها بالكامل.
يواجه الرجلان الآن مشهداً سياسياً غادراً وغير قابل للتوقع ويصعب اجتيازه. فمصيرهما السياسي متشابك إلى حد بعيد بما سيحدث تالياً تجاه إيران؛ يجمعهما خوف مشترك من “المقصلة”. بالنسبة لتراب، تمثل انتخابات التجديد النصفي لعام 2026 استفتاءً على ولايته الثانية؛ فإذا خسر الحزب الجمهوري مجلسي النواب والشيوخ، فإن شبح “العزل” الذي لم يغادره حقاً سيعود لينتقم.
ومع اقتراب عيد ميلاده الثمانين في يونيو، وبلوغ سقف الفترات الرئاسية الذي يغلق أمامه أي مستقبل سياسي بعد عام 2028، يتأرجح ترامب على حافة “البطة العرجاء” وفقدان التأثير. أما مأزق نتنياهو فهو أكثر مادية ووضوحاً؛ إذ يواجه ثلاث تهم بالفساد وانتخابات وشيكة في نوفمبر تشير استطلاعات الرأي إلى احتمال خسارته فيها. يحتاج “بيبي” إلى نصر ساحق لتجنب قضاء سنوات خلف القضبان.
يشبه ترامب ونتنياهو فارسين يركضان بأقصى سرعة فوق جسر جبلي يتداعى. وفجأة، تظهر هوة سحيقة في الطريق؛ وعليهما استجماع كل مكرهم للقفز إلى الجانب الآخر، أو السقوط في هاوية الخزي التاريخي.
يعتقد ترامب، “الاستعراضي” بامتياز، أنه يستطيع “المراوغة” للخروج من الاضطرابات الداخلية والإفلات من العزل. ومع ذلك، تظل مفرداته مزيجاً من صيغ المبالغة التي تفشل في إخفاء شعبيته المتراجعة. فهو كخطيب، ليس ريغان وبالتأكيد ليس كينيدي؛ إذ يفتقر إلى المصداقية الراسخة لإقناع قاعدة “MAGA” (اجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى) بصراع طويل الأمد، وهو الذي وعدهم سابقاً بإنهاء الحروب. وكما قال الأديب البريطاني صامويل جونسون في مقولته الشهيرة: “الوطنية هي الملاذ الأخير للأوغاد”، ويبدو أن ترامب يمد يده لتلك الراية بيدين مرتعشتين.
أما نتنياهو، “القط بسبع أرواح”، فيلعب لعبة أكثر خطورة؛ فهو “ثعلب في عالم من الذئاب”. فهل سينقذه لسانه الذرب حين يبدأ “مطر الصواريخ” بالهطول على الأبراج الزجاجية في تل أبيب وموانئ أشدود؟ إذا تمكنت صواريخ “خرمشهر-4” التابعة للحرس الثوري من تجاوز منظومة “آرو-3” الدفاعية، أو إذا أصابت ضربة محظوظة مفاعل ديمونا، فإن “خيار شمشون” لن ينقذ سمعته. حينها سيكون قد جلب النيران إلى عقر داره.
الفجوة الجوهرية تكمن في “الزمن”. ترامب يفكر في الدورات الإخبارية، بينما يفكر “الملالي” في العقود. سترفض طهران المطالب الخمسة التعجيزية التي قُدمت للحكومة الإيرانية، وخاصة تفكيك منشآت إنتاج الصواريخ. وقد كان وزير الخارجية عباس عراقجي واضحاً جداً بقوله: “مسألة الصواريخ ليست مطروحة على الطاولة”. وبينما يمكن للملالي تحمل صرخات شعبهم من خلال القمع الوحشي، لا يستطيع ترامب تحمل قفزة في أسعار النفط إذا خنقت إيران مضيق هرمز. ورغم وجود الأسطول الخامس الأمريكي، يرى محللو “تشاتام هاوس” أن إيران لا تحتاج للفوز بحرب بحرية؛ بل يكفيها إغراق ناقلة نفط واحدة لشل الاقتصاد العالمي.
لقد انتهى عصر “التطابق التام” الذي ساد في حقبة “اتفاقيات أبراهام”. وعندما يحين وقت دفع الفاتورة الباهظة لهذه الحرب في واشنطن وتل أبيب، ستكون لعبة تبادل الاتهامات مذهلة والمشادات اللفظية حادة وشائكة. وترامب، المستعد دائماً للتضحية بشريكه لإنقاذ رقبته، سيوجه مدافع اتهاماته نحو نتنياهو.
قد يسجل التاريخ أن سقوطهما لم يكن بسبب الفشل في ضرب إيران بقوة كافية، بل بسبب النجاح في ربط مصيرهما ببعضهما البعض لدرجة لم يعد بإمكان أي منهما الهروب من الجاذبية السياسية للآخر.
في محاولتهما لإنقاذ نفسيهما عبر هذا التحالف، ربما صنع هذان “النرجسيان” آلية هلاكهما المشترك.
في النهاية، ومع اتساع رقعة الحريق الإقليمي وانغلاق الجدران السياسية حولهما، سيشهد العالم التحول الأخير لهذا الثنائي: من “توأمين في قوقعة” إلى “عقربين في جرة”، يلدغ كل منهما الآخر بينما يبدأ الماء في الغليان.
*كاتب واعلامي عراقي
