اليمن الحر الأخباري

سر النجاحات التاريخية للعظماء!

سارة محمد مرزوڨي*
على مر العصور، كان سر عظمة القادة العظام ليس في سلطتهم فقط، بل في قدرتهم على احاطة أنفسهم بأشخاص عظماء يشاطرونهم الرؤية والطموح. نابليون لم يكن وحده على ساحة المعارك؛ الإسكندر الأكبر لم يبن إمبراطوريته بمفرده؛ وروزفلت وتشرشل لم يصنعوا نهضة أو انتصارًا إلا عبر شبكات من المفكرين والمستشارين والعلماء. هؤلاء الحلفاء كانوا أدوات القادة في صناعة الإنجازات التي بقيت خالدة في صفحات التاريخ.
حتى الأنبياء، والحديث عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم مثال واضح على هذا المفهوم. فقد أحاط النبي نفسه بمجموعة من الصحابة الذين تميزوا بالعلم والحكمة والشجاعة، وكان لهم دور فعال في نشر الرسالة الإسلامية وبناء الدولة الأولى للمجتمع المسلم. يروى أن أحد المستشرقين، عند اطلاعه على سير الصحابة، شعر بعظمة النبي صلى الله عليه وسلم ليس فقط لمكانته الروحية، بل لقدرته على قيادة هؤلاء العظماء وتحفيزهم على العمل المشترك نحو الهدف الأكبر. وهنا يظهر سر النجاح الحقيقي: القدرة على اختيار الكفاءات وتحويلها إلى قوة فاعلة تخدم رؤية القائد.

التاريخ الغربي أيضًا يزخر بالأمثلة. من مايكل أنجلو الذي احتضنه ميديتشي، إلى روزفلت الذي اعتمد على فريق من الاقتصاديين والمستشارين السياسيين، نجد أن كل نهضة أو إنجاز كبير كان نتاج تحالف بين القائد والعظماء حوله. أما في عالمنا المعاصر، فالأمر غالبًا مختلف. كثير من القادة العرب يحيطون أنفسهم بالموالين والأتباع أو رجال المال والسياسة، بدلاً من اختيار أصحاب الكفاءات والمبدعين الحقيقيين.
النتيجة واضحة: غياب الطموح لبناء إرث خالد، ورفض استثمار العقول اللامعة، يؤدي إلى تخلف الإنجازات واندثارها قبل أن تُسجل في صفحات التاريخ. بينما الدول التي أحاط قادتها أنفسهم بعلماء ومستشارين متخصصين في الاقتصاد والسياسة والتخطيط استطاعت أن تحقق نهضات حقيقية وإصلاحات تركت أثرًا طويل الأمد.
إذا أراد العالم العربي أن يترك بصمة تاريخية حقيقية، فلا بد من إعادة صياغة ثقافة القيادة نفسها. القائد الناجح هو من يعرف أن الإنجاز الحقيقي لا يُصنع بالسلطة وحدها، بل بالعقلاء والمبدعين حوله. يجب الاحتفاء بالكفاءات، استثمار المعرفة، وتشجيع أصحاب الطموح على المشاركة في صنع القرار. فالتاريخ لا يرحم من يجهل قيمة العقول العظيمة حوله، ولا يبني إرثًا من دون حلفاء يشاركونه الرؤية والعمل.
*كاتبة جزائرية

Exit mobile version