ميشيل شحادة*
في كل مرحلة تأزم فلسطيني، يعود الطرح ذاته إلى الواجهة: الانتخابات. تُقدَّم بوصفها العلاج السحري للأزمة الوطنية، ومفتاح استعادة الشرعية، وجسر العبور إلى الوحدة. غير أن هذا الطرح، مهما بدا منطقيا في الظاهر، يُخفي خللا عميقا في فهم طبيعة الصراع الفلسطيني، ويُعيد إنتاج خطأ تاريخي قاتل: تحويل قضية تحرر وطني من استعمار استيطاني إحلالي إلى مسألة إجرائية داخل نظام خاضع للاحتلال.
المشكلة ليست في الانتخابات بوصفها ممارسة ديمقراطية، بل في توقيت طرحها، وسياقها السياسي، والوظيفة المطلوبة منها. ففي ظل غياب السيادة، وتفكك الحيز الوطني، وهيمنة الاحتلال على الأرض والقرار، لا تكون الانتخابات تعبيرا عن الإرادة الشعبية، بل تتحول إلى آلية لإدارة الهزيمة ومنحها شرعية شكلية.
من سؤال الديمقراطية إلى سؤال السيادة
الديمقراطية لا تُمارَس في الفراغ. وصندوق الاقتراع لا يكتسب معناه من ذاته، بل من السياق السيادي الذي يُقام فيه. حين يُطلب من شعب واقع تحت الاحتلال أن “يختار ممثليه” بينما لا يملك السيطرة على أرضه ولا حدوده ولا اقتصاده ولا أمنه، فإننا لا نكون أمام ممارسة ديمقراطية، بل أمام تمثيل داخل قفص.
هذا ما أدركته كل حركات التحرر الكبرى. لم تُجرِ الجزائر انتخابات تحت السيادة الفرنسية، ولم تذهب فيتنام إلى صناديق الاقتراع وهي تخوض حرب التحرير، ولم تُقدَّم الانتخابات في جنوب أفريقيا بوصفها حلًا قبل إسقاط نظام الفصل العنصري. في كل هذه التجارب، جاءت الانتخابات بعد كسر بنية السيطرة وتغيير ميزان القوى، لا قبل ذلك.
أما في الحالة الفلسطينية، فيُطلب من الشعب أن ينتخب داخل نظام صمم أصلا لخدمة الاحتلال، لا لمواجهته. وهذا ليس خللا إجرائيا، بل اختلالا بنيويا.
انتخابات بلا سيادة… شرعية بلا مضمون
الانتخابات التي تُجرى تحت الاحتلال لا تُنتج سلطة حقيقية، بل سلطة مقيدة ومشروطة. فهي لا تغير ميزان القوى، ولا تمس جوهر السيطرة، بل تعيد تدوير النخب ضمن منظومة قائمة. الأسوأ من ذلك أنها تُنتج وهم المشاركة، وتُقنع الناس بأنهم شركاء في القرار، بينما القرار الحقيقي يبقى خارج أيديهم.
هكذا تتحول الانتخابات من حق شعبي إلى أداة هيمنة: تمنح شرعية شكلية لواقع غير شرعي، وتُعيد إنتاج السلطة بوظيفة واحدة، إدارة السكان تحت الاحتلال، لا قيادتهم في مشروع تحرر.
السؤال الأهم ليس: هل نحتاج انتخابات؟
بل: لماذا يُدفع هذا المسار الآن، وفي هذه اللحظة تحديدا؟
الدعوة الراهنة للانتخابات لا تنبع من ضغط شعبي فلسطيني منظّم، ولا من نقاش وطني جامع حول أولويات الصراع، بل تأتي في سياق ضغوط دولية وأوروبية تسعى إلى إعادة ترتيب الحقل السياسي الفلسطيني بعد الزلزال الذي أحدثته حرب الإبادة في غزة. المطلوب ليس تجديد المشروع الوطني، بل إنتاج شريك سياسي منضبط، قادر على امتصاص الغضب الشعبي وإعادة الاستقرار إلى منظومة فقدت شرعيتها الأخلاقية والسياسية.
هندسة مسبقة… ونتائج معروفة
حتى لو تجاهلنا السياق الدولي، فإن هندسة العملية الانتخابية ذاتها تكشف طبيعتها. القوانين، شروط الترشح، غياب الضمانات، وحدود المشاركة، كلها تشير إلى عملية موجهة سلفا. ليست انتخابات مفتوحة لتغيير موازين القوى، بل آلية لضبطها.
التجربة الفلسطينية نفسها تؤكد ذلك: كلما جاءت نتائج انتخابية خارج “السقف المسموح”، جرى الطعن بها، أو حصارها، أو تفريغها من مضمونها. فالديمقراطية، في النظام الدولي القائم، تُحترم فقط حين تُنتج النتائج المطلوبة.
انتخابات في زمن الإبادة… مفارقة أخلاقية
الأخطر من كل ما سبق هو توقيت الطرح. كيف يمكن الحديث عن انتخابات بينما يتعرض الشعب الفلسطيني، ولا سيما في غزة، لحرب إبادة شاملة؟ كيف يُطلب من شعب يُدفن أطفاله تحت الركام أن ينشغل بإجراءات تمثيلية، بينما الأولوية الوجودية هي البقاء والصمود؟
تاريخيا، لم تواجه حركات التحرر لحظات الفناء عبر صناديق الاقتراع، بل عبر توحيد الصفوف وبناء جبهات مقاومة. الوحدة الوطنية ليست شعارا هنا، بل شرط بقاء. وأي مسار يتجاوز هذا الشرط، أو يلتف عليه، هو مسار تقسيمي بطبيعته.
متى تكون الانتخابات ضرورية فعلا؟
الانتخابات ليست مرفوضة من حيث المبدأ، بل من حيث المرحلة. تصبح الانتخابات أداة تحرر فقط عندما تتوفر مجموعة شروط تاريخية واضحة، أثبتتها تجارب التحرر لا التنظير المجرد:
ـ أولا: حين يتغير ميزان القوى لمصلحة الشعب الواقع تحت الاحتلال.
تغيير ميزان القوى لا يعني هزيمة الاحتلال عسكريا بشكل كامل، بل كسر قدرته على فرض شروطه السياسية والتحكم بمسارات الصراع. أي أن يمتلك الشعب حدا أدنى من القدرة على فرض وقائع وانتزاع مساحات قرار. في غياب ذلك، تبقى الانتخابات خاضعة لفيتو الاحتلال، وتعكس ميزانه لا ميزان الشعب.
ـ ثانيا: حين تتوفر وحدة وطنية حقيقية على قاعدة الصراع.
الوحدة هنا ليست توافقا شكليا ولا تقاسم حصص، بل اتفاقا صريحا على طبيعة الصراع وأهدافه وأدواته. في غياب هذه الوحدة، تتحول الانتخابات إلى ساحة انقسام داخل منظومة خاضعة، بدل أن تكون تنافسا سياسيا داخل مشروع تحرري جامع.
ـ ثالثا: حين تُحمى الإرادة الشعبية بقوة مستقلة.
الإرادة الشعبية لا تحميها القوانين وحدها، بل قوة اجتماعية وسياسية قادرة على الدفاع عنها ومنع الالتفاف عليها. من دون هذه القوة، تصبح نتائج الانتخابات عرضة للإلغاء أو الحصار أو التفريغ، كما أثبتت التجربة مرارا.
ـ رابعا: حين تأتي الانتخابات كتتويج لمسار نضالي، لا كبديل عنه.
في سياق التحرر الوطني، لا تكون الانتخابات نقطة انطلاق، بل محصلة لمسار طويل من الصمود والمقاومة وبناء الذات الجماعية. حين تُطرح كاختصار للطريق، تتحول إلى أداة احتواء؛ وحين تأتي بعد تراكم نضالي حقيقي، تصبح خطوة طبيعية لترسيخ منجزات التحرر.
الخلاصة: المقاطعة موقف وطني، لا انسحابا
في الحالة الفلسطينية الراهنة، هذه الشروط غير متوفرة. لا سيادة، ولا وحدة وطنية مكتملة، ولا قوة مستقلة تحمي الإرادة الشعبية. الذهاب إلى الانتخابات الآن لا يقربنا من التحرر، بل يبعدنا عنه، ويمنح منظومة فاشلة فرصة تجديد نفسها باسم الشرعية.
من هنا، فإن مقاطعة الانتخابات ليست عزوفا عن الديمقراطية، بل دفاعا عنها. وهي ليست موقفا سلبيا، بل فعلا سياسيا واعيا يرفض تحويل صندوق الاقتراع إلى غطاء لإعادة إنتاج الهزيمة.
المهمة الوطنية اليوم ليست الذهاب إلى انتخابات، بل النضال من أجل إنضاج شروطها: بناء وحدة وطنية على قاعدة الصراع، إعادة تعريف المشروع التحرري، وتفكيك منظومة التبعية والوظيفة. عندها فقط، وعندها لا قبل ذلك، تصبح الانتخابات استحقاقا وطنيا حقيقيا، لا فخا سياسيا يُعاد نصبه باسم الديمقراطية.
*كاتب فلسطيني
