اليمن الحر الأخباري

الميثاق العربي المفقود!

د. ادريس هاني*
ما الذي نأمل من السياسات العربية اليوم، وماذا نتوقع من عالم كسر آخر الضمانات لحماية القيم الكونية؟ الجديد اليوم هو أن الإمبريالية تتصرف كما هي، بثبات على منهجها، لا شيء تغير في برنامجها الكلاسيكي، فهي متصالحة حتى الثمالة مع وظيفتها وأهدافها، كما أنها أصبحت صادقة فيما تفرضه من إملاءاتها ، بينما تغير سلوك العالم الثالث، والعرب جزء منه، حيث فقد غريزة الصدق مع أهدافه، وبات وفيا لأهداف الإمبريالية أكثر من وفائه لتطلعاته. تلك السياسات التي وجدت لها عنوانا تضليليا: الواقعية السياسية. غير أن هذه الواقعية هي حصيلة تراكم الهزائم، ونتيجة انهيار الميثاق العربي، حيث باتت البيداء العربية عارية إلا من نفاقها وتناقضاتها التي وجدت في التفاهة السياسية حزاما امنيا للتنكر لميثاقها القومي.
لعل واحدة من تضليلات عقل عربي مهزوم، التشكيك في محتوى الموقف المناهض للسردية الامبريالية واذرعها، باعتبار أن ذلك تهرب من مواجهة الاختلالات والمسؤولية القومية. وهذا صحيح إلى حد ما، صحيح لأن انهيار الميثاق القومي كشف عن حالة من الفساد الذي ضرب منظومة القيم العربية، لا استثني نظما ومجتمعات مدنية ومنظمات أهلية وشخصيات عامة، هذا الفساد هو نتيجة منطقية لانهيار ذلك الميثاق الذي انتهى بعد 1973، وما تبقى هو نتيجة ميكانيكية لمقدمات الانحدار على حافة الهزيمة وبسرعة الوزن الميت. لقد تعرى الوطن العربي، وظلت طلائع الممانعة فيه تعاني من الحصار والتآمر ، وأيضا بروز مظاهر السمسرة والديماغوجيا السوداء في واقع مأزوم. كل هذا تواطأ موضوعيا في مسار تسلسلي انتهى إلى السقوط الحر. حينئذ لم يعد يجدي المزايدة على مكونات الملة المهزومة. لقد نتج على هامش هذا الانهيار ظواهر انتهازية زاحفة بعنف دارويني، وكأنها غير آبهة بمآلات الأمور، وكل ما تمتهنه يؤكد أننا أمام تجارة غير مهيكلة في الأزمات. لا أحد ينكر أن أشكالا كثيرة من الخطاب السياسي باتت وصفة مسمومة وفاسدة تقدم لرأي عام عربي يعاني من نقص في المناعة. لكن كل هذا لا يبرر للامبريالية عنفها الممنهج ضد المنظومة الثالثية. فالامبريالية التي كانت بالأمس تغلف سياسة التدخل بإجراءات قانونية مضللة، باتت اليوم تمارسها بوقاحة. إن التنصل من مسؤولية مناهضة الهيمنة، لا يعطي مصداقية للاختباء خلف مفاهيم التجاوز والواقعية. إن المقاومة التي تضطلع بها دول وحركات تحررية جادة ليست توصيفا لمشهد، بل هي مقاومة حارقة يتوقف عليها استقرار العالم على قدر من العدالة التي تؤمنها قواعد الاشتباك. المستقيلون من المسؤولية التاريخية، هم من يتمثل خطابا أنتجته ثقافة الهزيمة السياسية. في سياق هذه الحرب النفسية على الوعي المناهض لسياسة الهيمنة، نؤكد على أن خوارزميات الهزيمة باتت هي الأخرى أكثر نشاطا عشية تأبين ميثاق الأمم المتحدة، وخروج الوحش من جحره، في مشهد بات مثقلا بجرائم الحرب.
وبالملخص المفيد، لا شك أن الإنتهازية ملة واحدة، فالسباق على التموقعات هو ظاهرة عامة، ولكن هذا لا يعني أن مفهوم مناهضة الهيمنة تقادم فقط لأن الهزيمة تصفق لنوبة من نوبات المعركة التاريخية بين المركز والهامش. بالفعل لم يعد يكفي الشعار من دون “ميزاجور” يخرجنا من شروط الكفاح بالأسود والأبيض، فالعالم يتطور، والعدالة هي مطلب هنا وهناك. إن الحرب على الوعي تأتي من الآخر ومن الغباء معا، ومقتضى العدالة والموضوعية: الإنصاف .

في هذا السياق، يتعين طرح السؤال العريض، والشجاع: هل هناك أمل لاستئناف ميثاق عربي يطوي زمن الهزيمة، وبموجبه يتحمل العرب مسؤوليتهم التاريخية؟ من أين وجب أن تبدأ الحكاية؟ فالعرب مدمنون على توجيه الحراب ضد بعضهم البعض، في حرب قبلية مسنودة بعصبية جاهلية. لا يوجد في هذا الصراع القبائلي أملس، واللعب جاري فوق الطاولة وتحتها، وصناعة السيناريوهات البليدة باتت حرف للسياسات. مقتضى التحرر، هو التحرر من هيمنة التفاهة والمخاتلة السياسية، تحرير الوعي من التحكم والبرمجة والديماغوجيا الفاسدة. فلو وظف العرب عبقريتهم في التآمر والطعان البيني في مواجهة عدوهم التاريخي، لكان لهم وزن بين الأمم ، ولكن لات حين مناص.
*كاتب مغربي

Exit mobile version