عبدالله العبادي*
الرجل لم يحكم يوما، لكنه لم يخرج أبدا من معادلة السلطة في ليبيا الحديثة. كان بالنسبة للكثيرين نقطة ضوء في سماء ليبيا الضبابية، وجوده الرمزي أعطى لليبيين أملا في الخروج من الأزمات المتعاقبة وأملا في تعجيل أحلام ليبيا التي تأجلت لسنوات عديدة.
لكن للقدر حسابات أخرى، في بداية شهر فبراير الحالي، أربع مسلحين يطلقون النار على سيف الإسلام القدافي في بيته في الزنتان فسقط قتيلا. فمن وراء اغتياله، ولمصلحة من تم ذلك؟ غموض كبير لا زال يلف حكايته، سقوط المهندس ونهاية ريشة الفنان وقد يكون السيف قد انكسر في بلد يبحث عن الخروج من فوضى قاربت 15 سنة.
غياب نجل القذافي من المشهد السياسي، قد يخفف التوتر أو يعمقه وقد يستخدم مبررا لتأجيل جديد لانتخابات ينتظرها الليبيون لسنوات. حضر نجل القدافي تقلبات الوضع وهو العارف بأسرار الدولة لعقود، وواجهة لنظام أكثر ليونة، وأكثر تفتحا على الآخر كما عُرف عنه.
تم تقديم القذافي الإبن، كرجل المرحلة المقبلة، قبل خراب 2011, المهندس الذي درس وتحدث اللغات الأجنبية وانفتح على الغرب، حتى قيل عنه أنه القذافي المختلف. بعد سقوط نظام والده، اختفي ثم أعلن عن اعتقاله في الزنتان في نفس السنة. منذ ذلك الحين حتى 2017 حيث تم الافراج عنه، سنوات من الغموض والمحاكمات والمتابعات، لكنه لم يعد للواجهة فضل الصمت والمشاهدة من بعيد.
حين بدأ الحديث عن الانتخابات الرئاسية، عاد إسمه للتداول من جديد، وفكرة ترشحه فجرت نقاشات حادة بين مؤيد ومعارض. سواء من داخل التيار الفبرايري أو من خارجه، أو حتى من خارج ليبيا. أنصاره رأوا فيه فرصة لعودة وحدة ليبيا، ورجل المرحلة، ومعارضوه يرون فيه محاولة لإعادة نظام أبيه وأن الثورة لم تحقق مبتغاها. اختلاف الرؤى الداخلية لم يكن دريعة للاغتيال، ولا لتصفية الحسابات السياسية بالشكل الذي حصل، قد تكون هناك أيادي خارجية تريد العبث بمستقبل ليبيا.
تقرير روسيا اليوم يرى أن ماكرون وفرنسا وراء اغتيال سيف الإسلام، وقد تتورط فيها أيضا استخبارات دول الجوار، التي تستثمر في الفتن والفوضى، هناك أنظمة وظيفية بالمنطقة ليس من مصلحتها استقرار وأمن ليبيا.
وُعُوده دُفنت معه، وفُتحت صفحة جديدة من السجال السياسي، التزم الصمت فكانت النهاية الغامضة، ليظل اغتياله رمزا للصراع بين حاضر ليبيا وماضيها. وفاة المهندس ابن القدافي تعتبر تصفية رموز ولا تنتهي معها الصراعات بل تبدأ بأشكال أخرى.
المؤكد أن ليبيا لم تجد بعد الطريق الصحيح نحو المصالحة الوطنية، ونحو الوحدة الشاملة، فاغتياله لم يكن الحل، بل جزء من مشاكل قادمة، ستدفع بالبلد نحو خلط أكثر لملفات عالقة تنتظر الوقت المناسب للحل، ليبيا بحاجة لخارطة طريق حقيقية للم الشمل والخروج من هضاب الرمال المتحركة.
*كاتب ليبي مختص في الشؤون العربية والإفريقية
