نادية حرحش*
ما نشهده اليوم في المنطقة لا يمكن اختزاله في حدثٍ سياسي عابر أو جولة صراع جديدة. إنّه تعبير مكثّف عن تحوّل أعمق: سقوط معيار العدالة ذاته، وإعادة تشكيلٍ ممنهجةٍ للوعي بحيث يبدو الظلم منطقياً، ويُقدَّم العدوان بوصفه ضرورة، ويُصوَّر الدفاع كتهديدٍ للنظام العالمي.
المأساة لم تعد في سفك الدم وحده، بل في الطريقة التي يُعاد بها تعريفه. مجزرة في مدرسة ابتدائية للبنات، يُقتل فيها أكثر من مئة شخص، بينهم عشرات الطالبات. شخصية روحية طاعنة في العمر، تحمل رمزية عميقة لدى جمهور واسع، تُغتال علناً رغم أنها كانت على مشارف رحيلها الطبيعي. دولة تُقصف بلا مواربة — ثم يُطلب من العالم أن يتعامل مع ذلك باعتباره جزءاً من “تعقيدات المرحلة”. هنا لا تسقط الضحايا فقط، بل يسقط المعيار الذي يُفترض أن يميّز بين المعتدي والمدافع.
ازدواجية لا تخجل من نفسها.
أي ميزان هذا الذي يسمح بالفعل ولا يسمح بردّه؟
أي قانون يجرّم الدفاع ويبرّر العدوان؟
اللافت أن الازدواجية لم تعد تخفي تناقضها. العدوان يُبرَّر باسم الأمن، بينما يُدان الردّ بوصفه تصعيداً. الدولة التي تُقصف مطالَبة بضبط النفس، أما من بدأ القصف ففعله يُدرج ضمن “حق الحماية”.
هذه ليست مفارقة عابرة، بل بنية مستقرة في النظام الدولي المعاصر، حيث تُحدَّد شرعية الفعل لا وفقاً لمبدئه، بل وفقاً لهوية فاعله وموقعه داخل منظومة القوة. لم يعد القانون إطاراً ضابطاً للجميع، بل أداةً تُفعَّل بانتقائية، وتُعلَّق حين تمسّ مراكز النفوذ.
الأخطر من سقوط المعيار هو إعادة تعريفه.
لا تُمحى الكلمات، بل تُفرغ من مضمونها.
الدفاع يُسمّى حرباً،
والإبادة تُسمّى أمناً،
والنزوح يُقدَّم إعادة تموضع،
والاحتلال يُسوَّق حماية،
والصمت يُعاد تعريفه حكمةً سياسية،
والخضوع يُلبس ثوب الواقعية.
بهذه الطريقة لا يُقمع الوعي، بل يُعاد تشكيله. يُطلب من الشعوب أن تتكيّف مع الانقلاب اللغوي، وأن تتعامل مع المختلّ كأنه الطبيعي. تُستبدل المفاهيم دون إعلان، فتتحول المقاومة إلى تهديد، والعدوان إلى ضرورة، والاستسلام إلى تعقّل.
السلام يُكتب عنواناً، ثم تُدار الحرب تحته. تُقصف المدن، ثم تُفتح عقود إعادة الإعمار، فتتحول الكارثة إلى دورة استثمار داخل المنظومة نفسها التي أنتجتها. وهكذا لا تُدار الحروب بالسلاح وحده، بل باللغة أيضاً؛ إذ يُعاد ترتيب المعنى قبل أن يُعاد ترتيب الخرائط.
إنها ليست فقط إدارة للصراع، بل إدارة للمعنى ذاته.
وسط هذا المشهد، بدا الانكشاف العربي أشد قسوة.
أنظمة تتغنّى بالسيادة، لكن حضورها الفعلي مرهون بما يُسمح لها به. تتحدث عن الأمن القومي، بينما تتجلّى قوتها حين تواجه الداخل لا حين تُختبر الحدود.
الجيوش يُعاد تعريف دورها ليصبح ضبط الاستقرار الداخلي أولوية، بينما يُترك الخارج لحسابات “المرحلة الحساسة”. أدوات الحماية التي قيل إنها وُجدت لصون الأوطان، يتبيّن أن كثيراً منها موجّه إلى الداخل أكثر من الخارج.
ويتجلّى هذا الخلل حين تُستدعى لغة السيادة بحزمٍ في مواجهة فاعلٍ داخلي يقرر الرد على اعتداءات خارجية، بينما تُدار الحدود نفسها بمنطق تجنّب التصعيد حين يقع الاجتياح أو القصف. في أكثر من ساحة عربيّة، يُشدَّد على حصرية القرار العسكري بيد الدولة حين يصدر الفعل من الداخل، لكن عند وقوع اختراق مباشر للحدود، تتحول الأولوية إلى “احتواء الموقف” و”منع الانزلاق”، حتى لو استدعى ذلك إعادة تموضع القوات النظامية أو انسحابها من بعض المواقع.
بين الصرامة في الداخل والمرونة على الحدود، يتكوّن سؤال لا يتعلق بتكتيك عسكري، بل بتعريف السيادة نفسها: هل هي مبدأ ثابت، أم أنها مفهوم يُدار ضمن حدود مرسومة سلفاً، بحيث يبقى القرار النهائي محكوماً بتوازنات القوة التي تتحكم فعلياً بمساحات الحركة في هذا النظام العالمي المهيمن؟
السؤال هنا ليس أخلاقياً فحسب، بل بنيوياً خالصاً:
هل نحن أمام دولٍ تمارس سيادتها فعلاً، أم أمام سلطاتٍ تُدير شؤون الداخل فيما يُحاط قرارها الاستراتيجي بسقفٍ ترسمه موازين قوة خارجية؟
وهل يمكن أن تتحول رموز الدولة — من علمٍ ونشيد — إلى أدوات كيّ وعيٍ ناعم، تُشبِع المخيال العام بإحساس السيادة، بينما يظل القرار المصيري رهينة إرادة تتجاوز المجال الوطني؟
وسط هذا الانهيار، يبرز سؤال آخر:
هل أخطأ الذين اختاروا ميزاناً مختلفاً، حين سقطت كل الموازين؟
ربما بدا الانحناء خياراً عقلانياً في عالم تُعرَّف فيه الشرعية بمقدار القرب من مركز القوة. وربما ظنّ كثيرون أن النجاة في التكيّف مع المختلّ لا في مقاومته. لكن حين يُختزل الحق في ميزان القوة، يفقد العدل معناه، ويصبح كل شيء قابلاً لإعادة التسمية.
يبقى السؤال في النهاية ليس سؤال من الأقوى، بل سؤال المعيار الذي نختار الاحتكام إليه.
فحين يسقط ميزان الأرض، ويُعاد تعريف العدالة وفقاً لمن يملك السلاح لا لمن يملك الحق، يبحث الإنسان عن ميزانٍ لا تملك القوة أن تعبث به، ولا تستطيع السياسة أن تعيد تسميته.
*كاتبة فلسطينية
