أحمد عبدالباسط الرجوب*
يشكل الشرق الأوسط لوحة جيوسياسية متشابكة، حيث تتداخل الدين والسياسة والطاقة، مما يجعل تبني رؤية واضحة حول الصراعات أمراً بالغ التعقيد. التصعيد العسكري غير المسبوق ضد إيران بمشاركة أمريكية إسرائيلية، لا يندرج في إطار صراع محدود، بل يحمل إمكانيات تحول دراماتيكي قد يعيد رسم خارطة المنطقة. بين حسابات القادة، وتداعيات اقتصادية مدمرة، يبقى السؤال: إلى أين يتجه هذا الصراع؟ وهل يمكن أن يكون شرارة حرب كونية؟
دول الخليج: على خط النار بين التهديد والمصير
تجد دول الخليج نفسها في موقع بالغ الخطورة. فبعد الاعتداءات الإيرانية على ناقلات نفط وسفن تجارية في مياهها الإقليمية، بات الأمن الخليجي مهدداً بشكل مباشر. تواجه الدول التي راهنت على سياسات التهدئة واقعاً جديداً يتمثل باستهداف مصالحها الاقتصادية وزعزعة استقرار إمدادات الطاقة. هذا الوضع دفع بعضها لإعادة تقييم سياساتها الدفاعية والبحث عن ضمانات أمنية أكثر فعالية، وسط مخاوف من أن تتحول مياهها الإقليمية إلى ساحة صراع مفتوح. اللافت أن هذه التطورات تزامنت مع تحول في مواقف بعض الدول التي بدأت تدرك أن سياسة الاسترضاء غير مجدية مع سلوك إيراني يتصاعد. ومع ذلك، تبقى الخيارات محدودة بين الانخراط في مواجهة مفتوحة، أو السعي لتشكيل تحالفات إقليمية ودولية قادرة على ردع التهديدات.
حسابات الربح والخسارة: نتنياهو وترامب بين المكسب السياسي والواقع الاقتصادي
في دولة الكيان الاحتلالي ، قد يرى نتنياهو في إضعاف إيران مكسباً استراتيجياً يعزز موقعه الداخلي. لكن التجارب السابقة أظهرت أن التفوق العسكري لا يتحول تلقائياً إلى استقرار طويل الأمد. في المقابل، يواجه ترامب معادلة أكثر حساسية، فالتصعيد يتزامن مع تضخم داخلي وارتفاع محتمل لأسعار الوقود. أي قفزة في أسعار النفط قد تنعكس سلباً على المزاج الانتخابي، ما يضع الإدارة الأمريكية أمام خيارين: المضي في التصعيد وتحمل تبعاته الاقتصادية، أو البحث عن مخرج دبلوماسي يخفف الضغط الداخلي.
النفط المشتعل: مضيق هرمز تحت الحصار
يبقى النفط العامل الأكثر حساسية. فإغلاق مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خمس تجارة النفط العالمية، يمثل ضربة مباشرة للاقتصاد الدولي. الدول المنتجة في الخليج تجد نفسها بين مطرقة التهديدات الأمنية وسندان الالتزامات التصديرية. أي توسع في دائرة الاستهداف البحري قد يحول الخليج إلى ساحة استنزاف اقتصادي عالمي، معيداً تذكير العالم بهشاشة أمن إمدادات الطاقة.
تحليل استراتيجي استشرافي: سيناريوهات الصراع
مع استمرار العمليات، يمكن توقع ثلاثة سيناريوهات رئيسية:
التصعيد المُدار:استمرار الضربات المحدودة مع تجنب الانزلاق إلى حرب شاملة، عبر ضغوط دولية لاحتواء المواجهة. قد تنتهي الأزمة بتفاهمات غير معلنة تعيد الردع المتبادل، وهي السيناريو الأرجح في المدى القريب.
الانفجار غير المسيطر عليه:خطأ في الحسابات أو ضربة نوعية قد يوسع الصراع ليشمل أطرافاً إقليمية. استهداف منشآت طاقة كبرى قد يشعل ردود فعل يصعب احتواؤها، ما يدفع المنطقة لفوضى ممتدة ويعرض الاقتصاد العالمي لصدمة قاسية، وهو السيناريو الأخطر.
تغيير النظام عبر الاستنزاف:يراهن البعض على إضعاف النظام الإيراني داخلياً. لكن التجارب تشير إلى أن الأنظمة ذات البنية الأمنية العميقة نادراً ما تنهار تحت الضغط الخارجي فقط. بل إن الحرب قد تعزز التيار المتشدد داخلياً، وتدفع إيران لتسريع برنامجها النووي كخيار استراتيجي للردع، مما يفتح باب سباق تسلح خطير في المنطقة.
اللاعبون الكبار: الصين وروسيا وخطر المواجهة الكبرى
لا يمكن فهم الأزمة دون موقفي الصين وروسيا. فالدولتان تعارضان التدخل العسكري الواسع، وتدفعان نحو احتواء دبلوماسي يحفظ توازن القوى. تنظر موسكو وبكين إلى التصعيد باعتباره اختباراً للنظام الدولي متعدد الأقطاب. ورغم حدة المواقف، لا يبدو أن أياً من القوتين مستعد للانخراط عسكرياً بشكل مباشر، مفضلتين التحرك في الإطار الدبلوماسي والاقتصادي لمنع تحول الأزمة إلى مواجهة بين الأقطاب الكبرى قد تكون لها تداعيات عالمية كارثية.
خاتمة: مفترق طرق تاريخي
الشرق الأوسط يقف اليوم على حافة تحوّل استراتيجي عميق. فإما أن تنجح الجهود الدولية في احتواء التصعيد وتحويله إلى تسوية سياسية، وإما أن تنزلق المنطقة إلى صراع أوسع يعيد تشكيل خرائط النفوذ ويهز الاقتصاد العالمي لسنوات. ما يجري ليس مجرد مواجهة عسكرية عابرة، بل اختبار لقدرة النظام الدولي على إدارة الأزمات في عصر تتشابك فيه الطاقة بالأمن. والنتيجة لن تحدد مستقبل إيران وحدها، بل قد ترسم ملامح الشرق الأوسط والعالم لعقود مقبلة.
*كاتب وباحث ومخطط استراتيجي اردني
