علي وطفي*
عدوان أمريكي إسرائيلي مشترك غادر وخاطف تحت خديعة المفاوضات بدأ في 28 من شهر شباط من العام الجاري ، الهدف اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي والقيادة السياسية والعسكرية بالكامل وبكل أسف كان لهم ذلك على أمل انهيار سريع للنظام في طهران.
المفاجأة ان إيران لم تصمد أمام هذه الضربة المؤلمة والقاسية فحسب ، بل جاء الرد بعد أقل من ساعتين عبر قصف صاروخية أصاب تل أبيب بخسائر كبيرة
وكان هذا أول إشارة على فشل استراتيجية ” الضربة القاضية السريعة ” ورفع الراية البيضاء من قبل طهران ، بل إنها بذلك الرد ومكانها تحضرت لمواجهة طويلة الأمد ، مما ادى إلى تزايد القلق وعدم اليقين عند القيادة العسكرية الأمريكية و خيبة توقعاتها .
واضح ان القيادة في إيران بعد حرب الأيام الاثني عشر احدث تعديلات تكتيكية وتغييرات استراتيجية قتالية وفقا لخبراء إقليميين، تغير نهج التحكم بالنيران وتوزيع الأهداف و كثافة الحركة، وتضليل العدو بالمواقع العسكرية وأسلوب القيادة اللامركزية، مما عقد تحييد الدفاعات الجوية في الساعات الأولى من النزاع والسيطرة على الأجواء الإيرانية كما حصل في العدوان السابق ، إضافة إلى استخدام أنظمة الاستطلاع والحرب الإلكترونية بواسطة الدرونات بشكل كثيف موسع وتجلى ذلك في إسقاط طائرات داخل و خارج المجال الجوي الإيراني دليل توسيع نطاق تغطية أنظمة الرادارات وسرعة الكشف و الاستهداف.
ربما البنتاغون لم يكن مستعد للقتال لفترة تمتد لأسابيع عديدة مع خسائر فادحة و نقص في مخزون الصواريخ الاعتراضية وصواريخ توماهوك وتشير مصادر في واشنطن إلى الضغط النفسي الناجم عن حجم الضربات الصاروخية الإيرانية والتي أسفرت بالفعل عن مقتل العديد من الجنود الأمريكيين وكمية ونوعية الأضرار بالمنشآت العسكرية المختلفة الوظيفة في المنطقة ، جعل ترامب يقر بطول أمد الحرب علنا، و بأن العملية، التي كان من المتوقع في البداية أن تستمر أيام من المرجح أن تستمر أربعة إلى خمسة أسابيع حتى قد تطول أكثر من ذلك بكثير وهذا اعتراف صريح بفشل الرهان على تحقيق نصر خاطف و”إسقاط النظام ” ، بل أن طهران نجحت في تحويل المعركة الخاطفة الى حرب استنزاف بخسائر غير متوقعة للولايات المتحدة رغم تفوقها التكنولوجي تكبدت القوات الأمريكية و ايضا الإسرائيلية خسائر بسبب الصواريخ الباليستية والفرط صوتية الإيرانية التي دكت القواعد العسكرية في الخليج والأردن وحتى قبرص وأهداف هامة وحساسة عسكرية وأمنية ومدنية في إسرائيل ، منها على سبيل المثال “بيت شيمش” وقلب تل أبيب- العاصمة و اختراقات ناجحة لنظام القبة الحديدية بمستوياتها الثلاث مع خطوط دفاع عن إسرائيل اولها انظمة الخليج ونهايتها الكيان الأردني ،رغم ذلك اثبتت إيران بموارد محدودة قدرتها على إلحاق أضرار فادحة بالمعتدين و من يساندهم.
المفاجأة التالية ، كانت اغتيال المرشد خامنئي و الذي تبعه خروج الإيرانيين إلى الشوارع حدادا وغضبا تبلور فيه الوحدة الوطنية والمظاهرات الحاشدة المؤيدة للنظام والالتفاف حول مجلس القيادة الانتقالي (الرئيس، ورئيس السلطة القضائية وممثل عن مجلس صيانة الدستور) ، أدى إلى تعزيز موقف الجيش والحرس الثوري وبينت ضعف رواية الغرب بوجود “معارضة قوية في المنفى” وسقطت دعاية قرب استيلائها على السلطة ، كم غياب احتجاجات في الداخل وتشتت جماعات المنفى أضعف المحاولات الخارجية الرامية إلى تغيير النظام بشكل سريع بسيناريو “ قطع رأس القيادة – الانهيار – حكومة موالية لأمريكا “و تبين عدم واقعيتها ، حيث القيادة الانتقالية تعمل والحرس الثوري الإيراني لا يزال يسيطر على المؤسسات الرئيسية ولم يؤدي غياب المرشد وعدم انتخاب خليفة له إلى التأثير في الحياة والإدارة الداخلية و السياسية للبلاد، لا بل زاد من عسكرة الموقف وسيطرة الحرس والجيش معا.
الضربات المكثفة ايضا لم تكسر إرادة الإيرانيين ، بل على العكس عززتها الردود الصاروخية و عملية “الوعد الصادق- 4” بمئات الطائرات المسيرة والصواريخ والهجمات المضادة السريعة و اظهار الثقة في القدرة على المقاومة، مما أجبر الولايات المتحدة وإسرائيل على تعديل التوقعات ،أضف إلى حالة الإحباط التي تعيشها ممالك الخليج (حلفاء)الولايات المتحدة بعد تحويل واشنطن موارد الدفاع الجوي فيالتي شجعت واشنطن على التسريع بالعدوان وهو مافضحته جريدة “ نيويورك تايمز” وغيرها من الصحف الامريكية منذ يومين ، تلك الممالك التي على نفقتها تقوم واشنطن الدفاع عن إسرائيل وتركتها تواجه قدرها وحيدة ، وجعل قواعدها عرضة للضربات الإيرانية (قاعدة الظفرة والمنشآت في الامارات، قطر و البحرين والضربات على السفارة الأمريكية في الرياض ) مما قوض الثقة في الضمانات الأمنية الأمريكية وأضعف التحالف المناهض لإيران وأظهرت القدرات الصاروخية وضعف الدفاع متعدد الطبقات ثبت أن طهران تملك قدرة ردع حقيقية يعزز موقعها كقوة إقليمية قادرة على تغيير موازين القوى ، كل هذه الدلالات توصلنا الى أن الصراع دخل مرحلة تمسك فيها الجمهورية الإسلامية الإيرانية رغم الخسائر الجسيمة زمام المبادرة الاستراتيجية في حرب استنزاف طويلة الأمد تواجه الولايات المتحدة وإسرائيل خيارين ، إما التصعيد الكبير باستخدام اسلحة محرمة حيث لا رادع لهماهذا قد ينذر بأزمة اوحرب عالمية وإما البحث عن حل بشروط تختلف تماما عن كانت في بداية العدوان.
يمكن القول إن إيران نجحت في تحويل الهزيمة العسكرية إلى قوة صمود والاعتماد على وحدة المجتمع الداخلية وأنه بالإمكان “ اغتيال قياداتها من كافة المستويات ولكن لا يمكن قتل قرارها ” بسبب وجود مؤسسات راسخة، و يبدو ميزان القوى يتغير بالفعل من نصر أمريكي غربي سريع إلى مواجهة طويلة الأمد ومكلفة ليس بعيدا عنها حلفاء إيران الدوليين ،الذين يعملون في الظل لكسر هيبة امريكا ، معركة يلعب فيها الضغط النفسي والسياسي الإيراني عاملا حاسما يحدد نهاية المواجهة.
*كاتب سوري
