اليمن الحر الأخباري

العدوان على إيران من وجهة نظر إسبانية!

د. سماهر الخطيب*
منذ 28 فبراير من العام الجاري، وفي تطور خطير يهدد السلم والأمن الدوليين، تشن الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل حربا شاملة على إيران. تأتي هذه الضربات، التي أطلقت عليها واشنطن اسم “الغضب الملحمي” وتل أبيب “زئير الأسد”، في غضون مفاوضات كانت جارية بين طهران وواشنطن حول برنامج إيران النووي.
يستخدم العدوان قوة عسكرية هائلة تضم أكثر من 50 ألف جندي و200 مقاتلة أمريكية، استهدفت حتى الآن أكثر من 2000 هدف في عمق الأراضي الإيرانية، بما في ذلك العاصمة طهران والمنشآت النووية في أصفهان، وأدت إلى مقتل العشرات من المدنيين بينهم أكثر من 140 فتاة في قصف مدرسة بميناب، إضافة إلى مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي وعدد من كبار القادة العسكريين.
في المقابل، وسعت إيران نطاق ردودها لتشمل قواعد أمريكية في الخليج وأغلقت مضيق هرمز الاستراتيجي، مستهدفة أكثر من 10 ناقلات نفط وضاربة عمق إسرائيل بصواريخ فرط صوتية، كما امتدت الهجمات لتشمل دولا خليجية مثل الإمارات وقطر والبحرين والكويت، مما أجبر شركات الطيران فيها على تعليق رحلاتها.
من جهتها، تقف أوروبا أمام اختبار وجودي حقيقي، فهي لم تبدأ هذه الحرب ولم تُستشر بشأنها، لكنها وجدت نفسها فجأة في قلب الأزمة، ممزقة بين الولاء التقليدي للحليف الأمريكي من جهة، والخوف من الانزلاق إلى مستنقع إقليمي يهدد أمنها ومصالحها الحيوية من جهة أخرى، مما كشف عن انقسامات أوروبية عميقة وتباينات صارخة في المواقف لم تشهدها القارة القديمة منذ عقود.

حيث قالت الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية كايا كلاس في أعقاب الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران، “إن التطورات الأخيرة في الشرق الأوسط خطيرة. فقد قتل النظام الإيراني آلاف الأشخاص. وتشكل برامجه الصاروخية الباليستية والنووية، إلى جانب دعمه للجماعات الإرهابية، تهديدًا خطيرًا للأمن العالمي”.
فيما قالت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين أن “التطورات في إيران مثيرة للقلق للغاية، ونحن على اتصال وثيق بشركائنا في المنطقة، ونؤكد التزامنا الراسخ بحماية الأمن والاستقرار الإقليميين. ومن الأهمية بمكان ضمان السلامة النووية ومنع أي عمل من شأنه أن يزيد من حدة التوترات أو يقوض نظام عدم الانتشار النووي العالمي”.
بموازاة ذلك، بدأت العواصم الأوروبية الكبرى تتحدث بلغات مختلفة تماماً في مواجهة أزمة واحدة، ففي الوقت الذي اختارت فيه لندن وبرلين نهجاً حذراً يميل إلى التهدئة خلف الأبواب المغلقة، برزت باريس كصوت أوروبي مستقل ونشط عسكرياً، بينما تحولت مدريد إلى بؤرة التوتر الأكبر مع واشنطن بسبب موقفها المبدئي الرافض للانتهاك الصارخ للقانون الدولي.
ففي العاصمة البريطانية لندن، وجد رئيس الوزراء كير ستارمر نفسه في مرمى نيران الغضب الأمريكي بعد أن رسم خطاً أحمر واضحاً بين التعاون الدفاعي المحدود والمشاركة الهجومية. ومع ذلك، لم يخلُ الموقف البريطاني من التناقض، فقد سمح ستارمر نفسه باستخدام القواعد البريطانية لضرب منصات إطلاق الصواريخ الإيرانية، وأرسل طائرات بريطانية للمشاركة في “عمليات دفاعية” في المنطقة.
أما في باريس، أكد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن العمليات العسكرية تجري “خارج إطار القانون الدولي” ولا يمكن لفرنسا الموافقة عليها. فيما أرسل حاملة الطائرات شارل ديغول إلى المتوسط وفرقاطة إلى قبرص، وأعلن توسيع الردع النووي الفرنسي ليشمل ثماني دول أوروبية بينها ألمانيا وبريطانيا وهولندا، في محاولة فرنسية لملء الفراغ الذي تركته السياسة الأمريكية غير المتوقعة.
وفي برلين، جلس المستشار الألماني فريدريش ميرز صامتاً إلى جانب ترامب في المكتب البيضاوي بينما كان الرئيس الأمريكي يهاجم إسبانيا وبريطانيا. فيما خرج وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول ليؤكد أن ألمانيا لا تنوي المشاركة في العمليات العسكرية ضد إيران. لكن الصوت الألماني بدا خافتاً ومتردداً مقارنة بالوضوح الفرنسي أو حتى الغضب الإسباني.
وكان المشهد الأكثر دراماتيكية في مدريد، حيث تحول رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز إلى الصوت الأوروبي الأعلى رفضاً للعدوان. فقد منعت إسبانيا بشكل حازم استخدام القاعدتين العسكريتين المشتركتين في مورون وروتا دي لا فرونتيرا لشن هجمات على إيران، مؤكدة أن هذه القواعد لن تدعم أي عمليات خارج الإطار القانوني الدولي.
وأظهرت بيانات تتبع الرحلات الجوية اضطرار أكثر من 12 طائرة عسكرية أمريكية، بينها ناقلات تزود بالوقود، إلى إعادة التموضع في قاعدة رامشتاين بألمانيا، وكان رد ترامب فورياً وشرساً، حيث هدد بقطع كل العلاقات التجارية مع إسبانيا، وزعم أن باستطاعته استخدام القواعد الإسبانية رغماً عن مدريد، ووصف القيادة الإسبانية بأنها “مُريعة” و”سيئة”.
سانشيز بدوره، لم يتراجع، مؤكداً أن الضربات الأمريكية الإسرائيلية تمثل “تصعيداً خطيراً” و”عملاً عسكرياً أحادياً غير مبرر” دون تفويض من مجلس الأمن، وهو ما يسهم في نظام دولي أكثر عدائية وفوضى، وأضاف: “لا يمكن حل مشكلات العالم بإلقاء القنابل فقط، يجب ألا تتكرر أخطاء الماضي. خلاصة موقفنا: لا للحرب”.
كما استشهد بالحرب العالمية الأولى وحرب العراق، قائلا إن “الحرب التي شُنت قبل 23 عاما ضد صدام حسين بهدف القضاء على أسلحة الدمار الشامل أدت في الواقع إلى مزيد من الإرهاب وتدفقات الهجرة وارتفاع تكاليف المعيشة”. وأكد أن “إسبانيا وكل من يقف إلى جانب الشرعية الدولية والسلام، ليسوا مع نظام آية الله (الإيراني)، لكن الحل يجب أن يكون عبر الدبلوماسية والسياسة”.
وقد حظي هذا الموقف بدعم شعبي هائل في إسبانيا حيث أظهرت استطلاعات الرأي أن أكثر من 75% من الإسبان يعتبرون ترامب تهديداً للسلام العالمي. كما صحح الموقف الأداء الأوروبي المخزي في مجلس الأمن عندما اكتفى بإدانة الرد الإيراني دون التنديد بالعدوان الأمريكي الإسرائيلي، والذي عكس التبعية للولايات المتحدة التي تتخذ قواعد عسكرية على أراضي الإتحاد.
ويبدو أن الموقف الإسباني من الحرب على إيران يمثل نقطة تحول كبرى في السياسة الخارجية الإسبانية، فما فعلته إسبانيا هو إعادة تعريف حقيقية للسيادة الوطنية في مواجهة الهيمنة الأمريكية. وعندما منعت مدريد استخدام قواعدها العسكرية رغم التهديدات التجارية المباشرة، كانت ترسل رسالة مفادها أن العلاقات مع الحليف الأكبر لا يمكن أن تكون قائمة على التبعية العمياء، بل على الاحترام المتبادل والالتزام المشترك بالقانون الدولي.
وبالتالي فإن هذا الموقف يدل على أن إسبانيا استعادت مكانتها كقوة أوروبية قادرة على التأثير في النقاش الأوروبي والدولي، فالموقف الإسباني كان فاعلاً في تحريك الاتحاد الأوروبي نحو موقف أكثر توازناً ونجح في تعديل صياغة البيان الأوروبي الرسمي، هذا يثبت أن الشجاعة السياسية تؤتي ثمارها حتى في مواجهة أقوى الدول.
يُشار الى أن المفوضية الأوروبية أعربت عن استعدادها للدفاع عن مصالح ​الاتحاد الأوروبي​ بعدما هدد الرئيس الأمريكي ​دونالد ترامب​ بقطع العلاقات التجارية مع إسبانيا لرفضها السماح للولايات المتحدة باستخدام قواعدها. وقال الناطق باسم المفوضية أولوف غيل في بيان: “نتضامن بشكل كامل مع جميع الدول الأعضاء وجميع المواطنين ونحن على استعداد، عبر سياستنا التجارية المشتركة، لحماية مصالح الاتحاد الأوروبي”.
وفي المحصلة، تشكل مخاطر هذا العدوان تهديدًا وجوديًا يتجاوز بكثير حدود المواجهة العسكرية المباشرة، ليحول الشرق الأوسط إلى برميل بارود يهدد بانفجار شامل، حيث وجدت دول الخليج نفسها ساحة مفتوحة لحرب لم تدخلها رسميًا. وأدى العدوان الى اضطرابات كارثية في أسواق الطاقة العالمية وارتفاع أسعار النفط إلى 200 دولار للبرميل.
وعلى المستوى الدولي، يقوض هذا العدوان نظام العلاقات الدولية القائم على السيادة والقانون، ومع توسع رقعة الصراع ليشمل قصف قاعدة بريطانية في قبرص وتهديد مصالح فرنسية في الإمارات، بات هناك إنذار حقيقي بانخراط حلف الناتو في المواجهة بشكل مباشر، ويبدو أن الأوروبيين بدأوا يعون مدى خطورة الوضع بعدما اتخذت إسبانيا خطوتها الجريئة.
*كاتبة سورية

Exit mobile version