اليمن الحر الأخباري

هل يعيد التاريخ ترتيب القوى؟

سارة مرزوڨي*
في خريف عام 1956 اندلعت حرب بدت في ظاهرها أزمة إقليمية حول السيطرة على قناة السويس. لكن ما عُرف لاحقًا بـ أزمة السويس لم يكن مجرد مواجهة عسكرية قصيرة، بل لحظة تاريخية كشفت أن زمن الهيمنة الأوروبية يقترب من نهايته. فحين شنّت بريطانيا وفرنسا، بالتنسيق مع إسرائيل، هجومًا لاستعادة السيطرة على قناة أممها الرئيس المصري جمال عبد الناصر، كان الهدف استعادة نفوذ فقدته الإمبراطوريات القديمة. لكن النتيجة كانت معاكسة تمامًا: انسحابٌ تحت ضغط دولي، وإعلان غير رسمي لنهاية عصر السيطرة الأوروبية الذي استمر قرونًا.
من قلب تلك الأزمة خرج نظام دولي جديد تقاسمت قيادته قوتان صاعدتان: الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي. ومع بداية الحرب الباردة، انتقل العالم من تعددية الإمبراطوريات الأوروبية إلى ثنائية قطبية حكمت السياسة الدولية لعقود.
بعد ما يقرب من سبعين عامًا، وبينما تدخل الحرب بين الولايات المتحدة وإيران يومها السابع، يعود سؤال التاريخ إلى الواجهة بصيغة مختلفة: هل نشهد مجرد حرب أخرى في الشرق الأوسط، أم أننا أمام لحظة قد تكشف حدود القوة الأمريكية وتفتح الباب لإعادة ترتيب ميزان القوى العالمي؟

حرب تتجاوز حدودها الجغرافية
في ظاهرها تبدو الحرب الحالية مواجهة بين قوة عظمى ودولة إقليمية. لكن طبيعة الصراع تجعل تأثيراته أوسع بكثير من حدود الخليج. فإيران ليست مجرد دولة طرف في نزاع عسكري، بل لاعب جيوسياسي يمتلك موقعًا استراتيجيًا يتحكم بجزء مهم من طرق الطاقة العالمية، إضافة إلى شبكة نفوذ إقليمي تمتد عبر الشرق الأوسط.
هذا ما يجعل أي مواجهة واسعة معها تتجاوز الحسابات العسكرية التقليدية. فالحرب لا تختبر فقط قدرة الجيوش، بل أيضًا قدرة النظام الدولي على استيعاب صراع طويل في منطقة تعد شريانًا حيويًا للاقتصاد العالمي.
حدود القوة العسكرية
منذ نهاية تفكك الاتحاد السوفيتي، عاشت الولايات المتحدة ما وصفه كثير من الباحثين بـ”اللحظة الأحادية”. فقد أصبحت القوة العسكرية والاقتصادية الأكثر تأثيرًا في العالم، دون منافس قادر على موازنتها.
لكن العقدين الأخيرين أظهرا أن التفوق العسكري لا يترجم دائمًا إلى نتائج سياسية مستقرة. فحروب مثل حرب العراق وحرب أفغانستان كشفت أن إسقاط الأنظمة أسهل بكثير من بناء الاستقرار.
الحرب الحالية تعيد طرح السؤال ذاته، لكن على مستوى أوسع: هل تستطيع القوة العسكرية وحدها الحفاظ على نظام دولي معقد تتزايد فيه مراكز النفوذ؟
عالم يتغير بالفعل
في الخلفية، تتشكل ملامح نظام دولي مختلف عما كان عليه العالم بعد الحرب الباردة. فقد صعدت الصين لتصبح قوة اقتصادية وتكنولوجية تنافس النفوذ الغربي، بينما استعادت روسيا دورها كفاعل عسكري وسياسي مؤثر في عدد من الأزمات الدولية.
هذا التحول لا يعني بالضرورة نهاية فورية للهيمنة الأمريكية، لكنه يشير إلى أن العالم لم يعد أحادي القطبية كما كان في تسعينيات القرن الماضي. بل أصبح أقرب إلى نظام تتقاسم فيه القوى الكبرى النفوذ في مناطق مختلفة.
وفي مثل هذا السياق، يمكن لأي حرب كبيرة أن تتحول إلى لحظة اختبار حقيقية: ليس فقط لقدرة الدول على القتال، بل لقدرة النظام الدولي نفسه على الاستمرار.
متى تنتهي الإمبراطوريات؟
التاريخ يُظهر أن القوى المهيمنة لا تفقد مكانتها فجأة. فالأمر غالبًا ما يحدث عبر عملية طويلة من التآكل: حروب مكلفة، أزمات اقتصادية، وتزايد تحديات القوى الصاعدة.
لم تنهار الهيمنة الأوروبية في عام 1956 بسبب معركة عسكرية خاسرة، بل لأن أزمة السويس كشفت ببساطة أن موازين القوة الحقيقية لم تعد في لندن أو باريس. ومنذ تلك اللحظة، بدأ العالم يتكيف مع واقع جديد.
اليوم، لا يزال من المبكر القول إن الحرب بين الولايات المتحدة وإيران تمثل لحظة مماثلة. لكن ما يجعلها مهمة هو أنها تقع في مرحلة انتقالية من تاريخ النظام الدولي، حيث تتداخل عوامل القوة العسكرية مع تحولات اقتصادية وتكنولوجية عميقة.
أكثر من حرب إقليمية
بعد سبعة أيام فقط من القتال، يصعب التنبؤ بمآلات الصراع. لكن المؤكد أن هذه الحرب لم تعد مجرد مواجهة بين دولتين. لقد أصبحت اختبارًا أوسع: اختبارًا لميزان القوى في الشرق الأوسط، واختبارًا أيضًا لقدرة النظام الدولي الذي تشكل بعد الحرب الباردة على الاستمرار بالشكل نفسه.
ففي عالم يشهد صعود قوى جديدة وتراجع يقينيات قديمة، قد لا تكون الحروب مجرد صراعات على الأرض، بل إشارات مبكرة على تحولات أكبر.
التاريخ نادرًا ما يعيد نفسه حرفيًا، لكنه كثيرًا ما يعيد طرح الأسئلة نفسها. وإذا كانت أزمة السويس قد كشفت نهاية عصر الإمبراطوريات الأوروبية، فإن الحرب الجارية اليوم قد تطرح سؤالًا مشابهًا:
هل نشهد بداية مرحلة جديدة في توازن القوى العالمي، أم أن النظام الذي تقوده الولايات المتحدة ما زال قادرًا على الصمود؟
الإجابة لن تتحدد فقط في نتائج المعارك، بل في شكل العالم الذي سيخرج من هذه الحرب عندما يصمت صوت السلاح.
*كاتبة جزائرية

Exit mobile version