ميشيل شحادة*
ليست الحرب الأمريكية على إيران مجرد مواجهة عسكرية جديدة في غرب آسيا، بل لحظة مفصلية قد تحدد مستقبل المنطقة، وربما تؤثر في شكل العالم بأسره. فما يجري اليوم يتجاوز ذرائع الملف النووي أو البرنامج الصاروخي، كما يتجاوز حدود الصراع التقليدي بين دولتين. نحن أمام مواجهة تتعلق بشكل المنطقة، وموقعها في النظام الدولي الجديد الذي يتشكل أمام أعيننا، وبمستقبل القضية الفلسطينية نفسها.
والأكثر دلالة أن هذه ليست المرة الأولى التي تختار فيها الولايات المتحدة طريق العدوان بينما تكون المفاوضات جارية. لقد استخدمت واشنطن المفاوضات في السابق غطاء للمناورة والخداع والتحضير للضربة، وهي تعيد اليوم السيناريو ذاته، بما يكشف مرة أخرى عن عقل سياسي يرى في التفاوض أداة للضغط لا طريقا للحلول. غير أن الفارق هذه المرة كان حاسما: إيران لم تفاجأ. كانت تتوقع هذا السلوك، واستعدت له.
لهذا جاء الرد الإيراني بعد ساعتين فقط من بدء العدوان. ولم تكن سرعة الرد مجرد تفصيل عسكري، بل رسالة سياسية واضحة: طهران دخلت هذه المواجهة وهي تعرف طبيعة خصمها، وتعرف أن المفاوضات في العقل السياسي الأمريكي قد تتحول في أي لحظة إلى ستار لعدوان. ومنذ اللحظة الأولى بدا واضحا أن إيران لا تتعامل مع هذه الحرب باعتبارها جولة عابرة، بل بوصفها حربا وجودية، ولهذا لم تدخلها بعقلية دفاعية تقليدية، بل بمنهج هجومي مدروس وجاهز للتنفيذ. أما ضرب القواعد الأمريكية في المنطقة فلم يكن ردا رمزيا، بل إعلانا عمليا أن إيران تنفذ ما تقول عندما تفرض عليها المواجهة.
لكن خطورة هذه الحرب لا تكمن في وقائعها العسكرية فحسب، بل في نتائجها المحتملة على مستقبل المنطقة. فإذا سقطت إيران، فلن يكون الأمر مجرد هزيمة دولة كبيرة، بل انهيار توازن استراتيجي كامل في غرب آسيا، وفتح الباب أمام هيمنة “إسرائيلية” غير مسبوقة على المنطقة بأسرها.
عندها لن يعود الحديث عن “الشرق الأوسط” كما عرفناه ذا معنى. ستتحول المنطقة إلى فضاء استراتيجي تابع للمشروع الصهيوني، وستجد دول الخليج نفسها أمام سؤال وجودي قاس: ما جدوى القواعد الأمريكية المنتشرة على أراضيها؟
لقد سوقت هذه القواعد لعقود باعتبارها مظلة حماية وأمن، لكن لحظة الاختبار أثبتت أن وظيفتها الحقيقية ليست حماية دول الخليج، بل حماية “إسرائيل.” بل إن وجودها قد يجر الحرب إلى هذه الدول أكثر مما يمنعها. وهنا تظهر المفارقة الكبرى: إيران التي تُصوَّر رسميا بوصفها الخطر الأكبر على الخليج، تبدو في الحقيقة، من زاوية التوازن الاستراتيجي، سدا مانعا أمام ابتلاع المنطقة بالكامل من قبل المشروع الصهيوني.
بمعنى آخر، فإن إيران في صمودها ومواجهتها لا تدافع عن نفسها وحدها، بل تدافع أيضا عن الحد الأدنى من استقلال المنطقة وعن مستقبل دول قد لا تدرك بعد أن سقوط طهران لن يكون حدثا إيرانيا داخليا، بل زلزالا استراتيجيا يمس المنطقة كلها.
وفي الداخل الأمريكي، تكشف هذه الحرب أزمة أعمق من مجرد خلاف حول قرار عسكري. فالمعسكر الترامبي يعيش تصدعا واضحا سياسيا وأخلاقيا وشعبيا. هناك أزمة اقتصادية خانقة، وغلاء معيشة يثقل كاهل الأمريكيين، وانعدام في الثقة بالنخب، وهناك أيضا الملفات الفاضحة المرتبطة بجيفري إبستين التي ما تزال تطارد شخصيات نافذة في المؤسسة الأمريكية، وفي مقدمتهم دونالد ترامب نفسه.
هذه القضية لم تعد مجرد فضيحة عابرة، بل جرح سياسي وأخلاقي مفتوح في جسد النخبة الأمريكية، يعكس درجة العطب التي بلغها النظام السياسي نفسه.
وفي المقابل، يتصاعد داخل الولايات المتحدة تيار معارض للحرب، يلتقي موضوعيا مع معسكر فلسطين المتنامي في الشارع الأمريكي. فالمظاهرات المناهضة للحرب والمتقاطعة مع التضامن مع فلسطين تكشف أن جزءا متزايدا من المجتمع الأمريكي لم يعد يرى في هذه الحروب دفاعا عن مصالحه، بل خدمة لأجندات إمبراطورية وصهيونية ضيقة.
وقد جاءت جلسات الإحاطة في الكونغرس بشأن الحرب لتفضح حجم الارتباك داخل الإدارة. فقد أقر عدد من أعضاء الكونغرس، من الجمهوريين والديمقراطيين معا، بأن إدارة ترامب لا تمتلك خطة متماسكة ولا تصورا استراتيجيا واضحا لهذه الحرب العدوانية. وهذه ليست شهادة من خصوم خارجيين، بل من داخل المؤسسة الأمريكية نفسها.
وما تكشفه تصريحات ترامب وأعضاء إدارته أعمق من مجرد التخبط العسكري. إنها تكشف جهلا بنيويا بشعوب المنطقة. فهذه الزمرة لا تعرف الشعب الإيراني ولا شعوب غرب آسيا عموما، ولا تفهم أن هذه الشعوب كلما اشتد عليها القتل والدمار ازدادت تمسكا بالمقاومة والصمود. إنها تكرر الأوهام الاستعمارية القديمة نفسها: الاعتقاد بأن القوة العسكرية وحدها قادرة على إخضاع الشعوب.
وفي هذا السياق، يبدو ترامب وقد وقع في فخ نرجسيته السياسية وثقته المفرطة بالقوة العسكرية، بل وقع أيضا في حسابات نتنياهو ومكائده. فقد تجاهل اعتراض جزء مهم من قاعدته الشعبية في حركة “ماجا” الرافضة لحرب جديدة على إيران، كما تجاهل التحذيرات الصادرة عن مؤسسات عسكرية وأمنية أمريكية كانت تدرك خطورة هذه المغامرة. وهو بذلك لا ينقض فقط وعوده الانتخابية، بل يضع نفسه على طريق خسارة سياسية قد تظهر آثارها في الانتخابات النصفية المقبلة.
أما في إيران، فقد جاء المشهد على النقيض تماما مما راهن عليه خصومها. بدل الانقسام الداخلي ظهر التفاف جماهيري واسع حول الدولة والنظام. خرجت الجماهير لتؤكد تمسكها بالثوابت ووقوفها خلف القيادة في مواجهة ما تعتبره حربا تستهدف البلاد والنظام والعقيدة والقرار المستقل معا.
وهذا الالتفاف الشعبي ليس تفصيلا ثانويا، بل قد يكون السلاح الأقوى الذي تمتلكه إيران في هذه الحرب. فالتاريخ العسكري يعلمنا أن الدول لا تصمد في الحروب الكبرى بالسلاح وحده، بل بقدرة مجتمعها على التماسك وتحمل التضحيات دفاعا عن الأرض والسيادة والكرامة.
وقد دفعت إيران بالفعل أثمانا كبيرة، من استشهاد قادة كبار في الصف الأول السياسي والعسكري إلى ما لحق بها من دمار وخسائر. ولو تعرضت دول أخرى لمثل هذه الضربات، ربما تصدعت سريعا. لكن طهران تعاملت مع هذه الخسائر باعتبارها جزءا من معركة طويلة، لا بوصفها لحظة نهاية.
ومن الضروري هنا قول الحقيقة بلا مواربة: إن الأسباب الحقيقية لهذه الحرب لا تكمن في الملف النووي ولا في البرنامج الصاروخي ولا حتى في دعم إيران لقوى المقاومة. هذه ليست سوى عناوين سياسية للتبرير. أما السبب الأعمق فهو نموذج الدولة الإيرانية نفسه: دولة مستقلة ترفض الاندماج في النظام الإقليمي الذي تديره “إسرائيل” وتضمنه الولايات المتحدة، وتتموضع بوضوح إلى جانب فلسطين.
ولهذا أعلن نتنياهو مرارا أن إيران تمثل تهديدا وجوديا لإسرائيل. فالمشكلة ليست فقط في قدراتها العسكرية، بل في موقعها السياسي وخيارها الاستراتيجي ورفضها أن تكون جزءا من “شرق أوسط” تديره تل أبيب.
وقد زاد دخول حزب الله على خط المعركة من تعقيد المشهد العسكري على “إسرائيل.” فقد ظهرت درجة عالية من التنسيق العملياتي بين الحزب وإيران، وخصوصا في إطلاق الصواريخ بتوقيت متزامن أربك منظومات الاعتراض وأنهك القبة الحديدية ووسع الضغط على “الجبهة الداخلية الإسرائيلية.” كما أن الضربات الاستباقية خلطت حسابات العدو وأدخلت مجتمعه في حالة من القلق والبلبلة.
وهذا كله يكشف أن المعركة ليست مجرد تبادل نار، بل صراع إرادات وصراع عقول وصراع قدرة على إدارة الوقت والميدان والنفس الطويل.
واليوم تبدو إيران وقد دخلت الحرب بعقل بارد وإرادة واضحة. لديها الاستعداد والخطط والقدرة على التنفيذ، كما تمتلك ترسانة صاروخية ضخمة وقدرات متصاعدة في الطائرات المسيرة، بما يجعل أي حرب طويلة معها شديدة الكلفة.
في المقابل، لم يعد أمام الولايات المتحدة سوى خيارين.
الخيار الأول هو التصعيد الشامل والانتقال إلى حرب مفتوحة مع إيران. لكن هذا الخيار يعني عمليا إشعال المنطقة كلها، من الخليج إلى العراق إلى الشام وشرق المتوسط، في حرب لا يمكن التنبؤ بنتائجها. خصوصا مع احتمال اتساع دور المقاومة العراقية واستعداد اليمن للدخول في المعركة، إضافة إلى إمكانية تطور الدورين الروسي والصيني في دعم إيران.
أما الخيار الثاني فهو أن يتراجع ترامب ويشرب الكأس المر، كما حدث في اليمن عندما اصطدمت القوة الأمريكية بحدودها. أي العودة إلى التفاوض ولكن وفق شروط تفرضها الوقائع الجديدة. وإذا حدث ذلك فلن يكون مجرد تراجع تكتيكي، بل تحولا استراتيجيا ستكون له آثار على المنطقة والعالم، لأنه سيعني بداية تآكل الهيبة الأمريكية وتصاعد الانكفاء الأميركي عن المنطقة، وما يرافق ذلك من تداعيات على بنية الهيمنة وعلى مستقبل الكيان الصهيوني نفسه.
في هذه اللحظة التاريخية تقف المنطقة أمام مفترق طرق حقيقي: إما أن تنجح محاولة إخضاع إيران فينقلب ميزان القوى بالكامل لصالح “إسرائيل،” أو أن تتحول هذه الحرب إلى لحظة تاريخية تعيد رسم ملامح القوة في غرب آسيا وتفتح الباب أمام مرحلة جديدة يتراجع فيها النفوذ الأمريكي والصهيوني معا.
والتاريخ، كما علمتنا التجارب، لا يرحم الإمبراطوريات عندما تبدأ مقامراتها الكبرى في لحظة أفولها.
*كاتب فلسطيني
