اليمن الحر الأخباري

بين شعارات السلام وهيمنة القوة!

 

بقلم / عادل حويس

في زمن التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي تعيد رسم خريطة النفوذ في العالم يزداد الجدل حول طبيعة القوى التي تسهم في تكريس الاستقرار الدولي او تقويضه.
وبينما ترفع القوى الكبرى شعارات السلام والديمقراطية وحماية حقوق الانسان تكشف الوقائع المتراكمة في مناطق عديدة من العالم وعلى راسها الشرق الاوسط عن مفارقة صارخة بين الخطاب المعلن والممارسة الفعلية.
وفي قلب هذه المفارقة يبرز التحالف الوثيق بين الولايات المتحدة الامريكية وكيان الاحتلال الاسرائيلي بوصفه احد اكثر التحالفات تاثيرا في تشكيل مسار الصراعات المعاصرة.

لقد تجاوزت العلاقة بين واشنطن وتل ابيب حدود الشراكة السياسية التقليدية لتتحول الى منظومة متكاملة من الدعم السياسي والعسكري والاقتصادي تمنح اسرائيل مظلة حماية شبه مطلقة في مواجهة اي مساءلة دولية.
ويظهر ذلك بوضوح في مواقف الولايات المتحدة داخل المؤسسات الدولية حيث استخدمت حق النقض مرات عديدة لافشال مشاريع قرارات تدين الانتهاكات او تدعو الى اجراءات دولية ملزمة وهو ما ادى الى اضعاف دور النظام الدولي واثارة تساؤلات جدية حول مدى حياد منظومة العدالة العالمية.

ان اخطر ما يترتب على هذا الواقع ليس فقط استمرار الصراعات بل تكريس منطق ازدواجية المعايير في تطبيق القانون الدولي. ففي الوقت الذي تفرض فيه العقوبات والضغوط على دول بعينها بدعوى حماية الامن والسلم الدوليين يتم التغاضي عن انتهاكات اخرى عندما تتعلق بحلفاء استراتيجيين للقوى الكبرى وقد ادى هذا النهج الى تآكل الثقة الدولية بالمؤسسات الاممية وخلق شعور واسع لدى كثير من الشعوب بان النظام العالمي لم يعد قائما على قواعد عادلة ومتوازنة.
ومن خلال تتبع مسار الازمات الممتدة في الشرق الاوسط يتضح ان السياسات الامريكية لعبت دورا محوريا في اعادة تشكيل التوازنات الاقليمية سواء عبر التدخلات العسكرية المباشرة او عبر منظومة الضغوط الاقتصادية والسياسية.

وغالبا ما تبرر هذه السياسات باعتبارات الامن القومي او مكافحة الارهاب غير ان آثارها على ارض الواقع كثيرا ما افضت الى تفاقم الازمات الانسانية واتساع رقعة الفقر والنزوح وظهور موجات جديدة من عدم الاستقرار.
وفي هذا السياق يظل كيان الاحتلال الاسرائيلي احد اهم ركائز النفوذ الامريكي في المنطقة مستفيدا من دعم عسكري وتكنولوجي واسع يجعله متفوقا بشكل واضح على محيطه الاقليمي وقد اسهم هذا التفوق المدعوم خارجيا في تعقيد مسارات التسوية السياسية وابقاء المنطقة في حالة توتر دائم وهو ما ينعكس بدوره على الاستقرار العالمي نظرا للاهمية الجيوسياسية والاقتصادية التي تتمتع بها المنطقة.

ان استمرار هذا النهج لا يهدد فقط التوازنات السياسية بل يمتد تاثيره الى مجالات اخرى تمس حياة البشرية باكملها فتصاعد النزاعات والعسكرة المفرطة يستهلكان موارد هائلة كان يمكن توجيهها نحو التنمية ومواجهة التحديات العالمية الكبرى مثل تغير المناخ والامن الغذائي وازمات الطاقة. كما ان التوترات المستمرة تضع الاقتصاد العالمي تحت ضغوط متزايدة وتؤثر في استقرار الاسواق وسلاسل الامداد الدولية.

امام هذه التحديات يبدو العالم اليوم بحاجة ماسة الى مراجعة جادة لآليات النظام الدولي واعادة الاعتبار لمبادئ العدالة والمساواة في تطبيق القانون الدولي. فاستمرار اختلال موازين القوة وغياب المساءلة الفعلية لن يؤدي الا الى تعميق الصراعات واطالة امد الازمات. اما الطريق نحو سلام حقيقي ومستدام فيمر عبر بناء نظام دولي اكثر توازنا وعدالة يحترم سيادة الدول وحقوق الشعوب ويضع حدا لسياسات الهيمنة التي اثبتت التجارب انها لا تنتج سوى المزيد من الاضطراب وعدم الاستقرار.

Exit mobile version