اليمن الحر الأخباري

هل المطلوب من الجيش اللبناني تنفيذ ما عجزت عنه إسرائيل؟

كريستينا شطح*
تشهد الساحة اللبنانية اليوم نقاشًا سياسيًا وأمنيًا حادًا بعد القرارات الحكومية المتعلقة بسلاح حزب الله، والتي شملت توقيف بعض المقاومين وضبط إطلاق الصواريخ باتجاه إسرائيل، فضلًا عن طرح بند حلّ الجناح العسكري والأمني للحزب وتكليف الجيش اللبناني بتطبيق ذلك. وتُقدَّم هذه الإجراءات في إطار محاولة إعادة تثبيت مرجعية الدولة بوصفها السلطة السيادية الوحيدة للسلاح، مع تركيز واضح على ضبط الوضع الداخلي ومنع أي نشاط عسكري خارج إطار المؤسسات الرسمية. غير أن هذا التوجه يترافق مع واقع آخر يتمثل في القيود المفروضة على دور الجيش اللبناني في مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية، حيث تلتزم الحكومة بسياسة تمنع انخراط الجيش في أي مواجهة مباشرة مع قوات الاحتلال، مكتفية بإدارة الأزمة ضمن الحدود التي يفرضها ميزان القوى الإقليمي والدولي. وفي المقابل، يضع هذا المسار الجيش في موقع حساس يجعله في مواجهة قوة لبنانية تُعرّف نفسها كحركة مقاومة، ما يثير مخاوف من تداعيات داخلية إذا طُلب من المؤسسة العسكرية تنفيذ إجراءات قد تُفسَّر لدى شرائح من اللبنانيين على أنها صدام مع خيار المقاومة. وفي ظل هذا المشهد، يرى كثيرون أن وضع الجيش في موقع المواجهة مع المقاومة، مع استمرار القيود المفروضة على مواجهته للاحتلال، قد يخلق معادلة تصب عمليًا في مصلحة العدو الإسرائيلي، الذي عجز بنفسه ميدانيًا على إنهاء المقاومة.
غير أن هذه المقاربة تثير تساؤلات جوهرية حول المعايير التي تحكم القرار الأمني في لبنان، خصوصًا عند مقارنتها بتجربة سابقة عاشها البلد قبل نحو عقد من الزمن. ويأتي هذا النقاش أيضًا في ظل مسار سياسي موازٍ تمثّل في المفاوضات التي جرت بين رئيس الجمهورية وحزب الله حول مسألة تسليم السلاح، وهي مفاوضات جرت تحت ضغط دولي يُنظر إليه على نطاق واسع باعتباره جزءًا من مقاربة أميركية لإعادة ترتيب المشهد الأمني في لبنان. غير أن هذا المسار لم يحقق أي نتائج حاسمة بعدما اصطدم برفض الحزب التخلي عن سلاحه في ظل استمرار الاحتلال الإسرائيلي لأجزاء من الأراضي اللبنانية. وفي هذا السياق يطرح كثيرون تساؤلًا جوهريًا حول اتجاه الضغوط الدولية: فبدل التركيز حصرًا على مسألة سلاح المقاومة، كان يفترض أن يتجه الضغط الأميركي بالدرجة الأولى نحو إلزام إسرائيل بالانسحاب من النقاط الحدودية الخمس التي ما تزال تحتلها. فلو تحقق هذا الانسحاب في إطار تسوية واضحة تضمن سيادة لبنان على كامل أراضيه، لكان النقاش حول مبررات بقاء سلاح حزب الله قد اتخذ مسارًا مختلفًا، وربما كان من الممكن فتح باب مقاربة داخلية أقل توترًا وأكثر قابلية للمعالجة.

وفي هذا الإطار تكتسب المقارنة مع تجربة سابقة في التاريخ القريب للبنان دلالة خاصة. ففي عام 2014، عندما دخل مقاتلون من تنظيم داعش وجبهة النصرة إلى بلدة عرسال واندلعت مواجهات دامية مع الجيش اللبناني، لم تتخذ الحكومة قرارًا فوريًا باقتحام البلدة أو شنّ عملية عسكرية واسعة لإنهاء وجود المسلحين بسرعة، بل فضّلت سياسة الاحتواء وإدارة الأزمة بحذر شديد.
آنذاك برّرت الدولة موقفها بالخوف من توسع المعركة داخل البلدة المكتظة بالمدنيين والنازحين السوريين، وبالخشية من انفجار داخلي في بيئة طائفية حساسة من المسلمين السنة. واستمر هذا النهج لسنوات قبل أن يُحسم لاحقًا عبر عملية «فجر الجرود» التي أنهت وجود تنظيم داعش في الجرود الحدودية.
تُظهر المقارنة بين هذين المشهدين مفارقة سياسية وأمنية لافتة تعكس طبيعة النظام اللبناني وتعقيداته. فبينما اتسم تعامل الدولة مع تنظيمات إرهابية مسلحة بالحذر الشديد والتريث، يبدو خطابها اليوم أكثر تشددًا تجاه قوة لبنانية تمتلك حضورًا سياسيًا وشعبيًا واسعًا وتطرح نفسها قوة مقاومة في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي. وهذه المفارقة لا تتعلق بحدثين منفصلين فحسب، بل تعكس إشكالية بنيوية في طريقة تشكل القرار الأمني في لبنان.
فالواقع أن الدولة اللبنانية لا تعمل كدولة مركزية صلبة، بل كنظام توازنات بين قوى سياسية وطائفية متعددة. لذلك لا تُصنع القرارات الأمنية انطلاقًا من الاعتبارات الميدانية فقط، بل تتداخل فيها الحسابات السياسية الداخلية مع التوازنات الطائفية، إضافة إلى الضغوط الإقليمية والدولية. وفي ظل هذه المعادلة تبدو سياسات الدولة في كثير من الأحيان متأرجحة بين خيارين متناقضين: تجنب أي خطوة قد تشعل صراعًا داخليًا، وفي الوقت نفسه محاولة الحفاظ على صورة الدولة كمرجعية سيادية وحيدة للسلاح.
ولا يمكن فهم الفرق بين ملف عرسال عام 2014 والقرارات المطروحة اليوم بمعزل عن السياق السياسي الأوسع. ففي الحالة الأولى كانت الدولة تخشى الانزلاق إلى مواجهة قد تفتح جبهة داخلية وتفجر السلم الأهلي في ظل امتداد الحرب السورية إلى الحدود اللبنانية، بينما يأتي النقاش الحالي في سياق صراع إقليمي أوسع يتداخل فيه دور حزب الله مع معادلات الردع في مواجهة إسرائيل والتحالفات الإقليمية.
ومع انعدام القناعة لدى حركة أمل بجدوى هذه الحرب، يرى حزب الله فيها حربًا استباقية بعد توفر معلومات حول نوايا العدو بمهاجمة لبنان. وهذا التباين في قراءة المشهد الإقليمي يعكس بدوره حجم التعقيد الذي يحيط بالقرار اللبناني، حيث تتداخل الحسابات المحلية مع الصراعات الإقليمية الكبرى.
القلق اليوم لا يقتصر على البعد السياسي، بل يمتد إلى المؤسسة العسكرية نفسها. فالجيش اللبناني لطالما اعتُبر المؤسسة الوطنية الأكثر تماسكًا في بلد يقوم نظامه على توازنات طائفية دقيقة. وأي قرار يضعه في مواجهة جزء من المجتمع أو قوة لبنانية ذات حضور سياسي وشعبي واسع قد يعرّضه لضغوط كبيرة، خصوصًا إذا وُضع الجيش أمام خيار تنفيذ قرارات قد تُفسَّر داخليًا على أنها مواجهة مع المقاومة. وفي مثل هذا السيناريو لا تقتصر المخاطر على المؤسسة العسكرية وحدها، بل قد تمتد إلى النسيج الوطني نفسه، بما يحمله ذلك من احتمالات توتر وانقسام طائفي قد يتجاوز حدود المؤسسة العسكرية ليطال الاستقرار العام في البلاد. كما أن أي انقسام داخلي أو إضعاف للجبهة الداخلية اللبنانية من شأنه أن يخلق واقعًا يخدم مصلحة العدو الإسرائيلي، الذي لطالما سعى إلى الاستفادة من الانقسامات الداخلية في لبنان لإضعاف قدرته على المواجهة.
وفي ظل هذه المعادلة المعقدة تبدو المعضلة الحقيقية أمام الدولة اللبنانية أكثر تعقيدًا من مجرد تنظيم مسألة السلاح داخل حدودها. فالمسألة ترتبط أيضًا بقدرة لبنان على الحفاظ على توازن دقيق بين السلم الأهلي من جهة، ومعادلات الردع الإقليمي في مواجهة إسرائيل من جهة أخرى. وأي مقاربة تتجاهل أحد هذين البعدين قد لا تؤدي فقط إلى توترات داخلية جديدة، بل قد تضع لبنان أمام مرحلة أكثر حساسية في تاريخه الأمني والسياسي.
*كاتبة لبنانية

Exit mobile version