اليمن الحر الأخباري

حين تهتز أسواق الطاقة يدفع العالم كله الثمن!

نور ملحم*
في عالم لم يتعافَ بعد من آثار الأزمات المتلاحقة خلال العقد الأخير، تمثل احتمالات اتساع المواجهة بين إيران وإسرائيل تهديداً جديداً للاستقرار الاقتصادي العالمي. فالصراعات الجيوسياسية الكبرى لم تعد مجرد أحداث إقليمية، بل أصبحت عوامل مؤثرة في حركة التجارة والطاقة والاستثمار على مستوى العالم،وفي ظل اقتصاد عالمي مترابط، يمكن لأي تصعيد عسكري في الشرق الأوسط أن يخلق موجة جديدة من الاضطرابات الاقتصادية، خصوصاً في الدول الأكثر هشاشة.
تكمن الخطورة الأولى في موقع المنطقة داخل منظومة الطاقة العالمية، فالشرق الأوسط ما يزال أحد أهم مصادر النفط والغاز في العالم، وأي توتر عسكري قد يهدد تدفق الطاقة عبر مضيق هرمز، الذي تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط العالمية. وحتى دون إغلاق فعلي للممرات البحرية، فإن مجرد تصاعد التوترات يرفع المخاطر الجيوسياسية في الأسواق، ما يؤدي عادة إلى ارتفاع أسعار النفط والغاز. ومع ارتفاع أسعار الطاقة، تتزايد تكاليف الإنتاج والنقل عالمياً، وهو ما ينعكس على أسعار الغذاء والسلع الأساسية ويغذي موجات تضخم جديدة.
ورغم أن هذه الصدمات تؤثر في جميع الاقتصادات، فإن تأثيرها لا يتوزع بالتساوي،فالدول الصناعية الكبرى مثل ألمانيا واليابان تمتلك احتياطيات مالية وأدوات اقتصادية تمكّنها من امتصاص جزء كبير من الصدمة. أما الاقتصادات الناشئة والدول النامية فغالباً ما تجد نفسها في مواجهة ارتفاع تكاليف الطاقة والغذاء دون امتلاك القدرة المالية الكافية للتخفيف من آثارها.
وتبرز باكستان كأحد الأمثلة الواضحة على الدول التي قد تتأثر بشدة بتداعيات أي تصعيد في الشرق الأوسط. فاقتصاد البلاد يعتمد بشكل كبير على استيراد النفط والغاز، ما يجعل ارتفاع أسعار الطاقة عبئاً مباشراً على الميزان التجاري. كما أن باكستان تعاني أصلاً من ضغوط مالية كبيرة، تشمل ارتفاع الدين الخارجي وتراجع احتياطيات العملات الأجنبية، الأمر الذي يحد من قدرتها على التعامل مع صدمات اقتصادية جديدة.

وتشير التقديرات الاقتصادية الأخيرة إلى أن نحو 70 مليون باكستاني يعيشون تحت خط الفقر، مع ارتفاع معدل الفقر إلى نحو 28.9% خلال السنة المالية 2024–2025. وفي مثل هذا السياق، فإن أي ارتفاع في أسعار الوقود سينعكس سريعاً على تكاليف النقل والكهرباء والإنتاج الزراعي، وهو ما يؤدي بدوره إلى ارتفاع أسعار الغذاء والسلع الأساسية. ومع تزايد الضغوط التضخمية، تصبح الفئات الأكثر هشاشة في المجتمع هي الأكثر تضرراً من هذه الصدمات.
ولا تقتصر المشكلة على الاقتصاد الكلي فحسب، بل تمتد إلى التفاوتات الإقليمية داخل البلاد، فالأقاليم الأكثر فقراً مثل بلوشستان وخيبر بختونخوا تعاني أصلاً من ضعف في البنية التحتية والخدمات الأساسية وارتفاع معدلات الفقر. ومع ارتفاع تكاليف الطاقة والنقل، تصبح هذه المناطق أكثر عرضة لانعدام الأمن الغذائي وتراجع فرص العمل، ما يعمّق الفجوات التنموية داخل الدولة.
كما أن حساسية باكستان تجاه التطورات في الشرق الأوسط لا ترتبط بالطاقة فقط، بل أيضاً بالعلاقات الاقتصادية الواسعة مع المنطقة. فملايين العمال الباكستانيين يعملون في دول الخليج، وتُعد تحويلاتهم المالية مصدراً مهماً للعملة الصعبة للاقتصاد الباكستاني. وفي حال تصاعد التوترات الإقليمية وتباطؤ النشاط الاقتصادي في المنطقة، قد تتأثر هذه التحويلات أو تتراجع الاستثمارات، ما يضيف ضغوطاً إضافية على الاقتصاد المحلي.
ولا تقتصر تداعيات الحرب المحتملة على باكستان وحدها، فاقتصادات كبرى في آسيا مثل الهند تعتمد أيضاً بشكل كبير على واردات الطاقة، ما يجعلها عرضة لارتفاع تكاليف النفط والغاز. كما قد تواجه دول مثل تركيا ومصر ضغوطاً اقتصادية نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة وتراجع الاستثمارات أو اضطراب التجارة.
وفي المقابل، قد تستفيد بعض الدول المصدرة للطاقة مثل السعودية والإمارات العربية المتحدة من ارتفاع أسعار النفط على المدى القصير عبر زيادة الإيرادات. غير أن استمرار التوترات الإقليمية لفترة طويلة قد يهدد الاستقرار الاقتصادي والاستثماري في المنطقة بأكملها، خصوصاً إذا تأثرت طرق التجارة أو ارتفعت المخاطر الأمنية في الممرات البحرية.
إلى جانب الطاقة، قد تؤدي الحرب أيضاً إلى اضطرابات في التجارة العالمية. فارتفاع المخاطر العسكرية في الشرق الأوسط قد يدفع شركات الشحن إلى رفع تكاليف التأمين والنقل البحري، وهو ما ينعكس بدوره على أسعار السلع في الأسواق الدولية. ومع تزايد كلفة الشحن والطاقة معاً، تصبح التجارة الدولية أكثر تكلفة، ما يضغط على الاقتصادات المعتمدة على الاستيراد ويبطئ النمو الاقتصادي العالمي.
في النهاية، تكشف مثل هذه الأزمات حقيقة أساسية في الاقتصاد العالمي: فالعالم اليوم أكثر ترابطاً من أي وقت مضى، لكن هذا الترابط لا يعني توزيعاً عادلاً للمخاطر. فالدول الأكثر قوة قادرة على امتصاص الصدمات الاقتصادية، بينما تتحمل الدول الهشة العبء الأكبر. ومن هذا المنطلق، فإن أي حرب واسعة بين إيران وإسرائيل لن تكون مجرد صراع إقليمي، بل اختباراً جديداً لمدى قدرة الاقتصاد العالمي على الصمود أمام أزمات متتالية، قد تعيد رسم خريطة الفقر وعدم المساواة في العالم.
*كاتبة سورية

Exit mobile version