بقلم / محمد يحيى الضلعي*
يشهد القطاع المالي في العديد من الدول تحولات متسارعة بفعل التقدم التكنولوجي والانتشار الواسع للهواتف الذكية والإنترنت وفي قلب هذه التحولات يبرز التحول الرقمي في المدفوعات والخدمات المالية خصوصاً عبر المحافظ الإلكترونية التي أصبحت أداة أساسية لإجراء الحوالات المالية ودفع الفواتير وإتمام المعاملات اليومية بسرعة وسهولة وأمان.
هذا التحول لا يمثل مجرد تغيير تقني في وسائل الدفع بل يشكل تحولاً اقتصادياً عميقاً قد يعيد تشكيل بنية القطاع المالي بالكامل فمع توسع استخدام المحافظ الإلكترونية تتراجع تدريجياً الحاجة إلى المعاملات النقدية التقليدية وهو ما يضع شركات الصرافة اليدوية التقليدية أمام تحدٍ وجودي حقيقي.
اقتصادياً– تسهم المدفوعات الرقمية في تعزيز الشفافية المالية وتقليل تداول النقد خارج النظام المصرفي الأمر الذي يساعد على ضبط حركة الأموال والحد من الاقتصاد غير المنظم كما أن انتشار هذه الوسائل يسهل عمليات التحويل المالي داخلياً وخارجياً ويخفض تكاليف المعاملات ويرفع من كفاءة النظام المالي ككل وكلما توسع نطاق هذه الخدمات ازدادت قدرتها على دعم الاستقرار الاقتصادي عبر تنظيم التدفقات المالية وتحسين الرقابة عليها.
أما على المستوى السياسي والاقتصادي فإن نجاح التحول نحو الخدمات المالية الرقمية يرتبط غالباً بوجود بيئة مستقرة نسبياً، حيث تتطلب هذه الأنظمة بنية تنظيمية وقانونية واضحة إضافة إلى بنية تحتية تقنية موثوقة وعندما تتوفر هذه العوامل تصبح المحافظ الإلكترونية جزءاً من منظومة اقتصادية حديثة تدعم النمو وتفتح المجال أمام الابتكار في الخدمات المالية.
في المقابل تجد شركات الصرافة التقليدية .. التي اعتمدت لسنوات طويلة على المعاملات اليدوية والنقدية المباشرة .. نفسها أمام واقع جديد يفرض عليها التكيف أو المخاطرة بالخروج من السوق. فالدور الذي كانت تقوم به هذه المكاتب في تحويل الأموال أو دفع الفواتير بات اليوم متاحاً عبر تطبيقات الهاتف خلال ثوانٍ معدودة وبتكاليف أقل في كثير من الأحيان.
ولهذا يرى كثير من الخبراء أن مستقبل شركات الصرافة لن يكون في الاستمرار بنفس النموذج القديم بل في التحول إلى شركات خدمات مالية رقمية أو الدخول في شراكات مع منصات الدفع الإلكتروني أو الاستثمار في التقنيات المالية الحديثة (FinTech) فالسوق لا يلغي الفاعلين القدامى بقدر ما يجبرهم على التكيف مع قواعد جديدة
إن التحول إلى المحافظ الإلكترونية لا يعني بالضرورة اختفاء الصرافة التقليدية فوراً لكنه يمثل بلا شك بداية نهاية نموذج (الصرافة الدكاكين) المعتمد على النقد والعمليات اليدوية وفي ظل هذا الواقع فإن الشركات التي ستنجح في المستقبل هي تلك التي تدرك مبكراً طبيعة التحول الجاري وتبدأ من الآن في إعادة تعريف دورها داخل الاقتصاد الرقمي الجديد.
باختصار لم يعد السؤال المطروح هو ما إذا كانت المدفوعات الرقمية ستنتشر بل متى ستصبح هي القاعدة الأساسية في التعاملات المالية وعندها سيكون التحول الرقمي قد دق فعلاً المسمار الأخير في نعش الصرافة التقليدية التي لم تواكب العصر.
خبير إقتصادي
