اليمن الحر الأخباري

رقصة المطر الطائفية.. إنهم يبغونها عوجا!

د. ادريس هاني*
أمر متوقع أن تطل علينا الطائفية الشمطاء في ذروة الاستهداف الإمبريالي للمنطقة، وبتعبير بدر شاكر السياب: كأنها نذر تبشر أهل بابل بالحريق. فلقد صممت الخريطة البديلة للوطن العربي منذ عقود على مقاصد شيطان التجزئة. خريطة برنار لويس لها مرجعية في هذا الميراث الكلاسيكي للهيمنة واستثمار التنوع في تدمير المنطقة. فالطائفية هي اليوم أفضل وسيلة لسايكس بيكو جديد. لقد سهلول المأمورية على الاحتلال.
عادت الطائفية إلى المشهد عبر خطاب ملتبس تقدحه حالة بارانويا مزمنة. نتساءل كما قد يتساءل أي إنسان أدرك قرف هذا الصبيب من الاستهتار بالحس السليم: أين يا ترى كان يختفي هذا الوحش الكاسر؟ لقد لازم المرض الطائفي الاجتماع السوسيو_ديني والسياسي العربي، المرتهن لزمن النكسات والهزائم التي امتدت إلى حيز الضمير. لم يرشد بعد هذا العقل العربي تحت طائلة سوء هضم فكرة التعايش. ومع ذلك، فالمسألة أبعد ما تكون عن كونها دينية صرفة، بل هي غريزة عدوانية متدفقة، جوهرها سياسي بامتياز.
وعند ذلك ندرك أن الحديث عن أقليات في العالم العربي بدل المواطنة الرشيدة، هو حديث ينبعث من قمامة اجتماعنا العربي، كلما احتدم الصراع مع الإمبريالية ومحاورها. يوضح علم السياسة أننا أمام وظيفة انهزامية غايتها التشويش على مسار الصمود.

ومع ذلك لم أجد معتديا طائفيا يملك علما وازنا بالفروق، تلك التي احتواها الزمن الجميل لعصر النهضة والإصلاح، وعبرت عنه مشاريع موسوعية(موسوعة الفقه بالقاهرة مثالا)، كتلك التي انطلقت تباعا لتعبر عن موقف تاريخي للأزهر ودار التقريب بالقاهرة عشية فتوى شيخ الأزهر شلتوت التاريخية، واستمرت في مناسبات أخرى على امتداد العالم العربي. لكن الردة البيولوجية ومن فرط الهزائم، وضعتنا أمام جيل من النياندرتال الطائفي، وظفته الإمبريالية والرجعية لمواصلة غسيل الدماغ، وتقويض مكتسبات الاقتصاد في الخلاف، غايته _ عكس المعلن والمدعى _ منع أية آصرة ممكنة بين أمة مع وقف التنفيذ.
بعد هذا، ترى، من يملك الجواب عن سؤال: من هو الأقلي في بيدائنا العربية؟ قد يجيب علم كلام السوسيو_ هزيمة، أن الأقلي هو الإنسان الرشيد. وليس في هذا ذم، إذ أن: (أكثرهم لا يعقلون) و(قليل ما هم)..
هذا السعار الطائفي الذي طفى على سطح المستنقع العربي في السياق الخطأ، يؤكد أن القضية لا علاقة لها بملة أو دين ـ حيث لا دين لطائفي ـ بل هي وظيفة إمبريالية ورجعية تنبعث بطريقة موسمية في سياقات سياسية، ويمثلها حراس معبد الهزيمة.
تحتاج الطائفية إلى سائبة من هذه البيداء العربية غير معنية بسلامة النسيج الاجتماعي، لأن الهمجية تعزز وعيا غبيا بالهوية، حيث تعتبر ببغاء أن التنوع خطر، وذلك في خلط فاحش بين التنوع والتجزئة. إنهم بدل المضي إلى الأمام لنسج بدائل حضارية للتعايش الخلاق، يسعون عبثا لمحق اختلاف طبيعي راكمته تجربة 14 قرن من المصارع والمقاتل، لا يد لهم فيه.
فلقد كرست الموسوعة الفقهية المذكورة آنفا، تقليدا يقتضي أن كل مذهب يتولى تقديم نفسه بنفسه من خلال أعلامه. وبذلك خرجنا من هذا التعسف البيداغوجي القائم على لعبة التشنيع على المختلف واحتكار سلطة تقديمه وتأويله من قبل الخصم الذاتي أو الموضوعي، مما ينتج ردود فعل لا نهائية. وغالبا ما يتولى هذه الهمروجة الطائفية دعاة تنقصهم الخبرة كما ينقصهم الإنصاف.
ومن دون الخوض في تفاصيل هذا الوضع الكاريكاتيري الطائفي الذي يرعى تخلفنا، ويستشعر خطر التئام أمة مضامة، فيعمل على تقطيع أوصالها. تزداد هلاوس الخطاب الطائفي اليوم، لأن هناك مواجهة حقيقية ضد الاحتلال، مواجهة لطالما اعتبرها كهنة الطائفية مجرد مسرحية تخفي وراءها علاقة يصعب رصدها دون التوسل بالعملية الطائفية التي تمنح العقل إجازة، وتستفز الغرائز البدائية لكائن يأنس بخفته ونزقه. ولا رادع لهذه الهلوسة، لأنها تستمد تمكينها من الوظيفة الإمبريالية وتغرف من المخبوء الظلامي.
يحترف صناع الطائفية التعريف بالآخر، مستغلين جهل الناس بالفقه المقارن، ذلك الذي تحول من غنى ثقافي وعلمي إلى هويات مذهبية محروسة. ويتحول هذا التهجي الأعور إلى “فهلوة” في ديار العميان. لقد تحولت هذه الصناعة البالية إلى مهنة في زمن الانحطاط. ولا أحد أدرك حكمة: دعوا الناس لمذاهبها.
والنتيجة اليوم واضحة، ألا وهي العزف النشاز على الطائفية في منعطف تاريخي خطير، فكانت مخرجات هذه الهلوسة تصريفا امبرياليا للطائفية، يتجلى في قلب الحقائق السياسية، وتقويض الأولويات. إن مهمة الخطاب الطائفي غير المعلنة هي أن تكون خير عون للاحتلال على إنجاز مهمته. يصبح الاحتلال صديقا، وفي أكثر الحالات خداعا يصبح أقل خطورة. ويكاد المعجم الطائفي يفيض بمصطلحات خادعة كالتالي:
_ التغلغل الصفوي؛ مع أن أصل الصفويين أتراك، والمؤسس سني صاحب طريقة صوفية شافعية صفي الدين الاردبيلي.
– الفرس المجوس، مع أن التشيع عربي، والحكم الصفوي نظمه عرب من إقليم التفاح وجزين، مثل المحقق الكركي والشهيدين العامليين، والشيخ البهائي الخ، ومع أن ناظم ومؤسس المذهب السني هم الفرس، حيث أوكل للغزالي الخراساني مهمة تنسيق المذهب الأشعري بالمدرسة النظامية السلجوقية، وحيث كتب الأخبار على مراتب الضبط والصحة، كلها من صنع الفرس: البخاري ومسلم النيسابوري والحاكم النيسابوري صاحب المستدرك على الصحيحين، فضلا عن البيهقي والترمذي، بل وحتى النسائي من نسا بخراسان (تركمانستان حاليا)..وحيث أئمة المذاهب السنية الكبرى هم على الأقل اثنان منهم من الموالي الفرس، كمالك وابي حنيفة، بينما ابن حنبل هو سليل عائلة عربية عاشت في بلاد فارس وتطبعت بطبائعهم.. وحيث شيوخ التصوف بما فيه التصوف السني هم من فارس: عبد القادر الجيلاني، الجنيد، الغزالي، البسطامي، عمر الخيام، فريد الدين العطار، جلال الدين الرومي، الكرخي… وهكذا في التفسير: (الطبري، فخر الدين الرازي، البغوي، النيسبوري الزمخشري..) وفي اللغة:(سيبويه، ابن جني، ابن فارس، الزمخشري…)
الطائفية الجانحة الجاهلة بجدل التاريخ المذهبي، تختزل خلافات طبيعية، لأمة وجدت في التاريخ لا خارجه، إلى إشكالية من دون مخرج حضاري، يدفع ثمنها عقلاء المذاهب الإسلامية. فبما أن أصل النزاع بين السنة والشيعة صنعته السياسة، فلتنهه السياسة كما قال يوما شرف الدين الموسوي.
وعلى هذا الأساس، هدموا باسم الطائفية أوطانا واظهروا ولاء للاحتلال وظهرت نتائج الطائفية الوظيفية بوضوح، مهلكة الحرث والنسل.
إن القضاء على الطائفية ليس باستئصال الاختلاف، بل بتدبيره واحتوائه في نظام مواطنة رشيدة ونسيج اجتماعي محروس بقيم العرف الإنساني ومشروع حضاري يحول التنوع إلى هوية مركبة، وليس إلى حالة من الهمجية. ولكن لا أحد يتعض اليوم من هذا الخراب. حقا، إن فقد العقل شقاء!
*كاتب مغربي

Exit mobile version