فرهاد باشاوند*
نشر الرسالة الأولى لثالث قائد للثورة في إيران الإسلامية يحمل مفاهيم استراتيجية ودلالة على ترسيخ السلطة الوطنية والإقليمية. هذه الرسالة ليست فقط رداً حاسماً على التهديدات الخارجية، بل ترسم في الوقت ذاته خارطة طريق لتعزيز السلطة الداخلية وتوسيع جبهة المقاومة العالمية. في الواقع، تكشف هذه الرسالة عن طبقات متعددة من الاستراتيجيات السياسية والعسكرية والشعبية، وتظهر عمق بصيرة القيادة الشابة في مواجهة مؤامرات الاستكبار العالمي.
* قبضة الأمة الصلبة: الإشارة إلى قبضة الإمام الشهيد المشتعلة تتوافق بشكل مباشر مع صورة الشهيد يحيى السنوار – رمز المقاومة الفلسطينية – وبالتالي تبرز قوة إيران الإسلامية في مواجهة الاستكبار. هذا الرمز هو في الحقيقة رسالة واضحة عن صلابة وثبات وصمود الشعب الإيراني.
* القيادة على مستوى العالم الإسلامي: لم تصدر هذه الرسالة على مستوى قيادة إيران فحسب، بل على نطاق قيادة العالم الإسلامي. فمن جهة، تُقدر جبهة المقاومة (اليمن، حزب الله، والعراق)، ومن جهة أخرى، تؤكد على التعاون والتنسيق بين مكوناتها للخلاص من الفتنة الصهيونية، وتقدم القيادة الشابة الإيرانية كصوت محوري لجبهة الحق في مواجهة الكفر العالمي.
* الاعتماد على الشعب وذروة رسالة القوة الشعبية: الجوهر الرئيسي للرسالة هو التأكيد على الدور الفريد للشعب، حيث يقول: “أنتم أيها الشعب جعلتم هذا البلد مقتدراً”. واستمراراً، بالإشارة إلى أربعة أركان أساسية – التوكل على الله، الوحدة، حضور “عمار” (صحابي جليل اشتهر بالبصيرة والشجاعة)، ومساعدة الضعفاء – تُظهر الرسالة أن القيادة تعتمد على بصيرة وحضور الأمة الجماعي، وأن قوة القيادة تكتمل بالقوة الشعبية.
* رسالة واضحة للجيران: التحذير للدول المجاورة الخمس عشرة، براً وبحراً، واضح تماماً؛ فعلى الرغم من التعبير عن الرغبة في “علاقات دافئة وبناءة” معهم، تؤكد القيادة في الوقت نفسه أن الهجوم سيكون حصراً على القواعد العسكرية الأمريكية، دون التعرض لأراضي أي دولة مستقلة. هذا النهج الذكي يُبطل عملياً خطط “العلم الزائف” (False Flag) التي تنفذها الإمارات والكيان الصهيوني، ويبرز حدود المسؤولية الإيرانية.
* أمر عملي للمسؤولين بدعم المتضررين: في جزء آخر من الرسالة، صدر تكليف “واجب التنفيذ” لمسؤولي السلطات الثلاث (التنفيذية، التشريعية، القضائية) للتعامل الفوري مع مشاكل التجار والشعب والممتلكات المتضررة من الحرب. يشمل هذا الأمر تقديم خدمات علاجية مجانية، ومزايا للمحاربين القدامى في “حرب رمضان”، وتعويض الخسائر المالية، مع التشديد على “تقديم تقرير” للقيادة، مما يؤكد على التنفيذ السريع والدقيق والشفاف.
* الإشارة إلى فتح جبهات جديدة: كما يُشار في نص الرسالة إلى دراسات لفتح جبهات جديدة – بخلاف جبهة اليمن، التي تم تقديمها كنموذج للشجاعة – وهذه الجبهات هي مناطق يمتلك العدو فيها خبرة ضئيلة، وهي عرضة للخطر تكتيكياً. إن تفعيل مثل هذه الجبهات، في حال استمرار الوضع الحربي ومع مراعاة المصالح الوطنية، يعزز استراتيجية إيران غير المتماثلة. هذا الجزء من الرسالة هو في الواقع عرض للقوة الأمنية واليد المفتوحة لإيران الإسلامية في ميدان المعركة، ويعتبر تهديداً محسوباً في مواجهة تهديدات ترامب الفارغة.
* معاقبة المعتدي وضرورة إبقاء مضيق هرمز مغلقاً: أحد أهم بنود الرسالة هو التأكيد على “أداة إغلاق مضيق هرمز”؛ وهو إجراء تم اعتباره مطلباً جماهيرياً وأداة للدفاع المعاقب الذي يندم عليه المعتدي. ستتم متابعة معاقبة المعتدي بدفع تعويضات مؤكدة (وتدمير الممتلكات في حال الامتناع)، وهذا بحد ذاته يعكس قوة وصلابة وإرادة إيران الوطنية في مواجهة العدو، ويقع في النقطة المقابلة لأي رسالة استسلام.
*وعد بالانتقام الشامل وأولوية دم الشعب على خامنئي الشهيد: في الجزء الأخير من الرسالة، تم التأكيد على أنه لكل شهادة – من عامة الشعب إلى القائد، وخاصة في الجرائم ضد الأطفال مثل حادثة مدرسة “شجرة طيبة” في ميناب – سيتم فتح ملف مستقل للانتقام. هذه النقطة تشير إلى أن الانتقام لا يقتصر فقط على استشهاد القائد العظيم؛ بل إن دماء الشعب العادي، وخاصة الأطفال، لها الأولوية على دم خامنئي الشهيد الأول. مثل هذا البيان يجعل القيادة الشابة ليست مجرد طالبة بث لأبيها، بل ممثلة لألم وغضب الشعب الإيراني، ويرسخ نوعاً من الردع الأخلاقي-العسكري على أساس التعاطف الشعبي.
هذه الرسالة، كبرقية انتصار للعالم، تمزج استراتيجية إيران المتعددة الأوجه في السلطة؛ فهي تشمل الرمزية للقوة والارتباط بالمقاومة العالمية، وتعتمد على إرادة الشعب كركيزة أساسية للقوة، وتبلغ تحذيرات عسكرية ذكية، وتصدر أوامر عملية لدعم المتضررين.
مع وعد بالانتقام الذي يعطي الأولوية لدم الشعب والأطفال، ترسخ الردع الأخلاقي-العسكري، وتُصدح بصوت الحق في مواجهة الكفر العالمي، وتقود جبهة المقاومة نحو النصر النهائي وآفاق مشرقة؛ وبهذا، تعرض صورة لا مثيل لها لـ “إيران القوية” على الساحتين الوطنية والدولية.
*كاتب ايراني وخبير في الشؤون الدولية
