حمدي دوبلة
مجريات الحرب العدوانية التي تشنها الولايات المتحدة الامريكية والكيان الصهيوني على ايران منذ ثلاثة اسابيع تقريبا تكشف بما لايدع مجالا للشك ان هناك ثمة موازين تنقلب في المنطقة رأسا على عقب.
-واشنطن وحليفتها الاهم في المنطقة أشعلتا الفتيل لكن دول الخليج التي كانت تعتبر واشنطن الحامي والداعم الأول وجدت نفسها في قلب العاصفة واذا بها تدفع ثمنا اقتصاديا وأمنيا باهضا من دون أن تكون صاحبة القرار أو المستفيد من نتائجه.
الاستياء الذي يتصاعد في العواصم الخليجية والذي جاء في احاديث عدد من النخب السياسية والفكرية مؤخرا وفقا لما نقلته وكالة رويترز لم يكن رد فعل على الخسائر المباشرة لتداعيات الحرب وانما كان تعبيرا عن إدراك عميق بأن المعادلة القديمة لم تعد صالحة فالاعتماد المطلق على الولايات المتحدة كضامن للأمن أثبت هشاشته إذ لم توفر واشنطن الحماية الكافية لتدفقات النفط والغاز ولم تضع خطة واضحة لحماية “حلفائها” من تداعيات الحرب وهذا الفشل يفتح الباب أمام أهمية القيام بمراجعة جذرية للعلاقات الاستراتيجية وربما التفكير في ترتيبات أمنية جديدة تشمل أطرافا كانت تُعتبر خصوما مثل إيران على وجه التحديد والتي اثبتت انها قوة اقليمية لا يستهان بها.
-القراءة النقدية المتأنية للمشهد تكشف أن دول الخليج لم تكن سوى رهينة لقرارات اتخذتها دائرة ضيقة حول الرئيس الأمريكي بعقلية رجال أعمال وصانعي صفقات لا بروح صانعي سياسات محترفين وهذا النهج وهذا النوع من التعاطي السطحي مع الملفات الشائكة جعلت المنطقة تدفع أثمانا باهظة لقرارات متسرعة صيغت إلى حد كبير وفق حسابات صهيونية من دون دراسة متأنية للعواقب السياسية والاقتصادية.
كما ان الأثر الاقتصادي لا يقل خطورة عن السياسي فمراجعة استثمارات صناديق الثروة السيادية وبيع الأصول والتراجع عن التزامات دولية كلها مؤشرات على أن الحرب الحالية صارت أزمة شاملة تهدد استقرار البنية المالية والاجتماعية لدول الخليج.
-هذه التحولات تفرض على الحكومات إعادة التفكير في نموذج التنمية القائم على الاعتماد على النفط والضمانات الخارجية والبحث عن بدائل أكثر استقلالية وصلابة اذا ما ارادت الاستمرار كدول ذات قيمة وفاعلية في الخارطة الدولية.
-النقد هنا يتجاوز تفاصيل الحرب إلى جوهر العلاقة بين الخليج والقوى الكبرى حيث أثبتت التجربة أن القوى الخارجية تتصرف وفق مصالحها الخاصة حتى لو كان ذلك على حساب شركائها وهذا يعني أن المرحلة المقبلة ستشهد تحولات استراتيجية عميقة وربما تذهب هذه الدول -ان كانت لا تزال تملك من امرها شيئا- الى تعزيز القدرات الدفاعية الذاتية وتبني سياسة خارجية أكثر توازنا وربما الانفتاح على ترتيبات إقليمية جديدة تتجاوز الاصطفافات التقليدية.
-حتما فإن المنطقة بعد الحرب لن تكون كما كانت قبلها لأن قواعد اللعبة تغيرت والثقة القديمة تآكلت والخيارات الجديدة باتت ضرورة لا مفر منهاولا شك ستمثل نهاية الحرب بداية مرحلة أخرى لدول المنطقة الثرية وعليها التفكير بصورة أكثر واقعية في التعامل مع عالم لا يعترف إلا بالأقوياء وبمصالحه فقط.
*نقلا عن صحيفة الثورة
مابعد الحرب ليس كما قبلها!
