د. حسان المالكي*
إن إتفاقيات الغاز الموقعة بين الكيان الصهيوني وكل من الأردن ومصر تشكل إحدى أهم أركان مخطط إدماج العالم الإسلامي في المشروع الصهيوني وإعادة هندسته تحت مظلة الهيمنة الصهيونية, ويعتبر الغاز مدخلا لتوسيع الهيمنة الصهيونية بطريقة ظاهرها مصلحة إقتصادية ولكن جوهرها وضع مفاتيح أمن الطاقة بيد الصهيوني مما يسمح له بالهيمنة على جميع جوانب حياة المجتمعات المعتمدة على هذا الغاز.
إن ترحيب الكيان الصهيوني بعقد بعض الأنظمة في العالم العربي إتفاقيات شراء الغاز منه يبدو في ظاهره متناقضا مع قول الله تعالى في سورة النساء ( أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَّا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا) (53) , ولكن الصهيوني يدرك تماما أن هذه الإتفاقيات تمنحه اليد العليا على هذه المجتمعات بحكم وضع مفاتيح أمن طاقتهم بيده, فهم يعلمون أنهم بهذه الإتفاقيات لا يؤتون الناس نقيرا , بل يأخذون منهم كل شيء بأن يهيمنوا على أمن طاقتهم. الأنظمة العربية التي هي طرف في هذه الإتفاقيات لا تغيب عنها هذه الحقيقة البديهية، بل وتُدخِل شعوبها تحت رحمة الصهيوني الذي لا رحمة عنده عن وعي كامل بأبعادها على الأمن الطاقي، فالطاقة ليست مجرد سلعة تشتريها ممن يوفرها بأرخص الأسعار, بل هي السلعة التي تُشَغِّل المصانع والمزارع والمستشفيات والطائرات والإتصالات والمعدات العسكرية، ومن يتحكم بالطاقة, سواء إنتاجا أو عبورا أو أسواقا فإنه سيتحكم بإستخدماتها ويسيطر على من يشتريها , فما بالك عندما تصاغ عقود الطاقة بطريقة إحتكارية تجعل من الصهيوني المورد الوحيد لهذه السلعة الحيوية لبعض البلدان المحيطة به؟! , حينها تتحول هذه الإتفاقيات من مجرد عقد تجاري إلى إتفاقية إذعان مطلق لا فكاك سهلا للشعوب العربية منها وحتى لو تغيرت الأنظمة التي تحكمها، وهذه هي الغاية منها.
ومن أهم الدول التي تعتمد على الغاز الصهيوني المنهوب من فلسطين المحتلة دول مثل الأردن ومصر وسوريا. في الأردن يساهم الغاز القادم من الصهيوني في توليد ما لا يقل عن 60% من الكهرباء المنتجة فيه, أما سوريا فإنها تستورد يوميا من الأردن ما لا يقل عن أربعة ملايين متر مكعب من الغاز وهذه تشكل ما يقرب من 50% من الغاز اللازم لتوليد الكهرباء في سوريا, وتشير العديد من التقارير إلى أن الغاز الذي يورده الأردن لسوريا مصدره الكيان الصهيوني, وعلى الأرجح أنها تقارير صحيحة، فمن أين يأتي الأردن بهذا الكم الهائل من الغاز في الوقت الذي يعجز فيه عن تلبية الحد الأدنى من حاجة الشعب الأردني من الغاز ؟. وأما الغاز الذي تستورده مصر من الصهيوني فإنه يدخل في إنتاج ما يقرب من خُمسِ الطاقة الكهربائية فيها.
وعند وضع هذه المعلومات معا, فإننا ندرك أن أمن الطاقة لهذه المجتمعات التي تشكل قلب العالم العربي هو إما بيد الصهيوني أو يتهيأ ليصبح كذلك, وهذا الكيان الذي نراه اليوم يمنع كل أسباب الحياة عن أهل غزة لن يتردد في إستخدام أهم سلاح بيده, وهو سلاح الطاقة لإملاء ما يريده على هذه المجتمعات, ألن تقف هذه المجتمعات عاجزة أمام إملاءات الصهيوني بينما يمتلك بين يديه الحبل السري لصناعتها ولتسيير حياتها اليومية؟!.
يستخرج الصهيوني الغاز من حقول تمار وليفاثيان وكاريش، وتحتوي هذه الحقول على أحتياطيات تزيد عن تريليون قدم مكعب تكفيه لعشرات السنين , وبفضلها تَحَوّل الكيان الصهيوني من مستورد للطاقة إلى مُصَدِّر لها.
أبعد هذه الحقول عن الساحل لا يبعد أكثر من ١٣٠ كم، ومن المعلوم أن حماية المنصات البحرية لإستخراج الغاز أمر شبه مستحيل، وأن تعطيل هذه المنصات أمر في متناول أية جماعة مسلحة ذات إمكانيات متوسطة, وخصوصا أن منصات غاز الصهيونيَّ جميعها تقع في مرمى مقذوفات حزب الله، بل إن الحشد الشعبي العراقي يستطيع القيام بتخريبها بكل يسر، بدون أية مسؤولية دولية على إيران أو لبنان.
في هذه الحرب التي فرضتها أمريكا على إيران, أحجمت إيران عن إستهداف البنى التحتية للطاقة, لكن الصهاينة بادروا باستهدافها, مما أعطى إيران الحق باستهدافٍ مماثل من باب: { *فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثلِ ما اعتدى عليكم واتُقوا الله واعلموا أنّ اللهَ مع المُتّقين* }، البقرة 194., فما الذي تنتظره إيران ؟.
إن تعطيل منصات إستخراج الغاز المنهوب من فلسطين المحتلة, , لن يحرم الكيان الصهيوني من مداخيل بمليارات الدولارات فقط, ولن ينحصر أثره في إحداث عرقلة كبيرة للحياة اليومية داخل المجتمع الصهيوني بحكم كونه مصدر ثلاثة أرباع الكهرباء التي يتم إنتاجها في شبكته, بل الأهم من هذا أنه يحرمه من إحدى أهم الأدوات الت ييحتاجها لدمج العالم العربي في المشروع الصهيوني من خلال دخوله لكل بيت ولكل مصنع في الدول التي تحيط به, فإذا فقد الصهيوني هذا الغاز يصبح عاجزا عن الإلتزام بشروطه التعاقدية مع هذه الدول , حينها تتحرر هذا المجتمعات من الهيمة الصهيونية التي تريد أنظمتهم فرضها عليهم, وهذا إن نجحت إيران في تنفيذه، فإنه سيشكل ضربة إستراتيجية لإحدى وجوه هيمنته على عالمنا العربي .
فهل ستُقدم إيران على توجيه ضربة واحدة تنزع من يد الصهيوني إحدى أهم أدوات هيمنته الإقليمية وأهم مصادر دخله القومي, فتثبت حينها للمرجفين أنه حقّاً أوهنُ من بيت العنكبوت ؟!!
*كاتب لبناني
