اليمن الحر الأخباري

الحرب على إيران!

عبدالرحمن مراد*

من غرائب الحرب المعلنة على ايران – منذ شهر من الزمان – هو التضليل الذي تمارسه أمريكا، والتناقض، ومثل ذلك من أساسيات السياسة الأمريكية، لكن ذلك التضليل والتناقض لم يكن ظاهرا بهذا الشكل الذي هو عليه اليوم، ولا هو بهذا الفجور الأخلاقي المفضوح، فالجلوس على طاولة الحوار كان تضليلا فجا هدفه التربص بقادة ايران من الصف الأول، وقد تم لهم ذلك، وبعد مرور أكثر من عشرين يوما من الحرب، ترسل أمريكا رسائل عبر وسطاء برغبتها في الحوار في حين تقوم بالتحشيد إلى المنطقة، والدفع بجنود وآليات إلى المنطقة بما يوحي بحرب برية، وقد أصبح الإعلام يتحدث عن النية في احتلال بعض الجزر التابعة الايران في الخليج، وهي جزر استراتيجية ،وبعضها غني بالغاز والنفط .
اجتياح الجزر وارد لسببين هما :مصادر الطاقة ،والهيمنة على خط الملاحة في الخليج ،وما تقوم به أمريكا من التضليل من خلال الرسائل عبر الوسطاء والإعلام ليس أكثر من ذر الرماد على العيون، والمهلة التي حددتها بخمسة أيام هدفها استكمال الترتيبات العسكرية لفرق المارينز للقيام بالمهام العسكرية في الخليج، وتضليل العالم ،وكسب الرأي العام العالمي، وقد أعلن وزير الخارجية الإيراني موقف ايران من تلك الرسائل وقال : لا يمكن الجلوس على طاولة الحوار قبل وقف الحرب ،وخيار ايران هو الاستمرار في الدفاع عن وجودها وسيادتها، في حين تضع أمريكا شروطا هي أقرب إلى الاستسلام وهو أمر ترفضه ايران رفضا باتا، ولذلك يقرأ الكثير من المحللين تلك الرسائل على أنها مناورة عسكرية لكسب الوقت، والتمهيد للاجتياح البري للجزر، والتقارير الإعلامية تتحدث عن إدراك إيران لخطة أمريكا، وقد عززت من منظومة دفاعها في الجزر وأصبحت مستعدة للمواجهة العسكرية في مضيق هرمز وفي الجزر .
إصرار أمريكا على إرباك المشهد السياسي العالمي ،وعسكرة طرق الملاحة الدولية، وإحداث القلاقل والاضطرابات في المنطقة العربية، له أهداف قريبة وآنية وأهداف بعيدة المدى قد لا تخص العرب وحدهم، ولكنها تمتد إلى الصين وروسيا، وآثار ذلك يمد ظلاله على الاقتصاد العالمي، وقد تحدثت المؤشرات عن ذلك منذ بداية العدوان على ايران الى اليوم، وبدأت بعض الدول تعبر عن تذمرها من سياسة ترامب وتناقضاته، وكاد أن يفشل في عقد تحالفات دولية تكون عونا له في بلوغ غاياته، ويبدو جليا الانتصار السياسي لإيران، وقدرتها على تحقيق الهيمنة على حركة الاقتصاد العالمي، الذي يبدو جزئيا، لكنه سيكون أكثر عمقا إذا استمر العدوان وبالغت أمريكا في ارتكاب الحماقات، وهي حماقات سيكون لها آثارها العميقة على بنية النظام الدولي ،وعلى بنية التحالفات الأمريكية، وعلى حركة الاقتصاد الكوني، وربما كانت الصين هي الدولة المستفيدة من هذا التبدل والتغير، وهي دولة تراقب الحدث عن بعد لكنها تستغل ثغراته وثقوبه للنفاذ منها لتحقق وجودا حيويا في البناء العام للمرحلة المقبلة التي ربما تحدث شرخا في بناء النظام الرأسمالي ليفسح الطريق لنظام دولي متعدد الأقطاب .
العدوان على ايران بكل ذلك الصلف والانحدار الأخلاقي والتمرد على القانون الدولي لن يكون عدوانا عابرا يحقق أهدافا بعينها لأمريكا وإسرائيل بل سيكون فاتحة لمرحلة جديدة من العلاقات ومن التحالفات الجديدة التي سوف تعيد ترتيب نسقها، وإعادة تنظيم نفسها، ولعل سؤال الهيمنة وسؤال الخضوع، وسؤال الحماية، لبعض الأنظمة العربية بدأ يطرح نفسه اليوم بقوة بعد أن وجدت تلك الأنظمة نفسها كأنظمة وظيفية تحمي المصالح الأمريكية والإسرائيلية بوعي منها أو بدون وعي، فقد دل ظلال الحرب على المنطقة العربية أن مصالح العرب غير ذات قيمة، لم تراعها أمريكا ولا إسرائيل ولم يدر في خلد تلك الأنظمة أنها ستكون كبش فداء لمصالح أمريكا وإسرائيل، ولعل العقل العربي اليوم أمام معضلات كبيرة، وأسئلة تبحث عن إجابات من بين دخان القذائف وركام العدوان على ايران .
المنطقة اليوم سوف تشهد تحولات عميقة، والعالم يرقب اللحظة، ويقرأ تفاصيل القادم، وعلى العرب والمسلمين أن يدركوا مثل ذلك التحول، وعليهم الاشتغال بما يحفظ لهم وجودهم وكينونتهم، وما لم يتداركوا أمرهم فقد يجرفهم التيار، ويقذفهم موج الأحداث كرماد متطاير في عالم سريع التحول والاشتعال، فايران حالة توازن وجودي في المنطقة بما يمثله موقعها وإرثها الحضاري والتاريخي والثقافي، وحيويتها السياسية والاقتصادية .
*نقلا عن الثورة

Exit mobile version