اليمن الحر الأخباري

عن شهداء الصحافة في لبنان!

ربى الحجلي*
لم يكن يحمل سلاحًا
كان يحمل كاميرا.
وقف هناك، في المسافة الفاصلة بين الحياة والموت، يلتقط ما لا يُحتمل، ويُرسله إلى عالمٍ يكتفي بالمشاهدة. لم يكن جزءًا من المعركة، لكنه كان يرى كل شيء وربما لهذا السبب تحديدًا كان يجب أن يُقتل .

في لحظةٍ خاطفة، تتحول العدسة إلى شاهدٍ مزعج، والصوت إلى خطر، والصحفي إلى هدف. لا إنذار يسبق الرصاصة، ولا خطأ يُبرّرها فقط قرار صامت: أن تُمحى هذه العين، وأن يُسكت هذا الصوت، قبل أن يقول الحقيقة كاملة.
هكذا، ببساطة قاسية، يُسحب الصحفي من موقع الشاهد إلى قائمة الضحايا. لا لأنّه انحاز، بل لأنه اقترب أكثر مما ينبغي .
ما جرى مؤخرًا، مع اغتيال صحفيين على جبهة الجنوب في لبنان لا يمكن فصله عن هذا السياق الأوسع. لم تعد المسألة حوادث معزولة في فوضى الميدان بل ملامح نمط متكرر، حيث تتحول الكاميرا إلى هدف مباشر، ويُعامل الصحفي كخطر يجب تحييده، لا كشاهد يجب حمايته.
في حروب اليوم، لم تعد السيطرة على الأرض وحدها كافية، بل باتت السيطرة على الرواية جزءًا لا يتجزأ من المعركة.
التحول الأخطر أن استهداف الصحفي لم يعد يثير الصدمة ذاتها.
يتكرر المشهد، تتوالى البيانات، وتُسجَّل الأسماء في قوائم طويلة قبل أن تُطوى الصفحة سريعًا.
كأن الدم أصبح تفصيلًا، وكأن اغتيال الشهود بات ثمنًا مقبولًا في حروب بلا سقف.
استهداف الصحفيين لم يعد انزلاقًا في فوضى الحرب، بل بات جزءًا من هندسة الصراع نفسه.
في هذا المشهد لم تعد المسألة تتعلق برصاصة طائشة أو خطأ في التقدير، بل بمنهج يتعامل مع الإعلام كجبهة موازية و الصحفي الذي ينزل إلى الميدان اليوم، يعرف أنه لا يواجه فقط خطر الرصاصة ، بل خطر القرار .
ورغم ذلك يستمر الصحفيون في النزول إلى الميدان ليس بدافع المغامرة، بل لأن غيابهم يفتح الباب واسعًا أمام رواية واحدة بلا مساءلة ولا دليل مضاد. يدركون أن الكاميرا قد لا تحميهم، لكنها على الأقل تترك أثرًا و تقول إن أحدًا كان هنا ورأى ما حدث.
اغتيال الصحفيين ليس استهدافًا لأفراد بقدر ما هو محاولة لإطفاء الضوء. ومع كل عدسة تُكسر، تضيق زاوية الرؤية، ويُعاد تشكيل المشهد كما يُراد له أن يُرى لا كما هو.
في النهاية اغتيال الصحفي ليس نهاية قصة ، بل بداية الرواية المزوّرة .
*كاتبة سورية

Exit mobile version