العميد. محمد الحسيني*
في الحرب الجارية جنوبًا بين العدو الإسرائيلي وحزب الله، لا يبدو الصراع مجرد مواجهة عسكرية تقليدية على جبهة حدودية، كما لا تبدو حربًا على غرار تموز 2006 او ايلول 2024، فهي اقرب الى اختبار نهائي ومفتوح لمعادلة الردع التي تشكلت على مدى عقود، والآن تُعاد صياغتها تحت ضغط استنزاف متبادل لا يسمح لأي طرف بإعلان حسم واضح. ما يميز هذه المرحلة، وفق قراءات متقاطعة من التحليلات، هو أن الأهداف الإسرائيلية المعلنة لا تصطدم فقط بقدرات المقاومة، بل أيضًا بطبيعة الواقع نفسه على الأرض، حيث تتراجع قدرة القوة العسكرية للاحتلال على التحول إلى نتائج سياسية نهائية قابلة للتثبيت.
في جوهر التفكير الإسرائيلي، تتبلور ثلاثة أهداف مترابطة. الهدف الأول هو إبعاد حزب الله عن خط الحدود الشمالية ومنع إعادة تموضعه القتالي جنوب الليطاني، بما يعني عمليًا خلق عمق أمني يمنع الاحتكاك المباشر. الهدف الثاني يتمثل في إضعاف البنية العسكرية التراكمية للحزب عبر استهداف القيادات، شبكات الإمداد، وقدرات إطلاق النار الدقيقة والمتوسطة المدى. أما الهدف الثالث، وهو الأكثر مركزية في النقاشات الأمنية، فيتمثل في إعادة بناء الردع الإسرائيلي الذي تآكل تدريجيًا خلال السنوات الماضية، أي إعادة إنتاج صورة قدرة إسرائيل على فرض كلفة عالية ومتصاعدة على أي تهديد شمالي.
لكن ما يتضح تدريجيًا في هذه المقاربة هو وجود فجوة بنيوية بين الهدف والنتيجة. فحتى داخل التحليل العسكري الإسرائيلي، هناك إدراك متزايد أن حزب الله ليس بنية عسكرية تقليدية يمكن تفكيكها عبر ضربات مركزة أو عمليات متتابعة. بل هو تنظيم شبكي متعدد الطبقات، يمتلك قدرة عالية على امتصاص الخسائر وإعادة توزيع قدراته البشرية والعسكرية بسرعة نسبية. وهذا ما يجعل الضربات، حتى عندما تكون مؤثرة، لا تؤدي إلى انهيار المنظومة بل إلى إعادة تشكيلها. هنا يبدأ القلق الإسرائيلي الحقيقي: ليس في القدرة على إيقاع الضرر، بل في العجز عن تحويل هذا الضرر إلى نتيجة استراتيجية نهائية.
في هذا السياق، يتحرك جيش الاحتلال ضمن منطق يمكن وصفه بـ”الضغط التدريجي المركب”. عمليات جوية، اغتيالات دقيقة، استهداف للبنية التحتية العسكرية، ومحاولات متقطعة لتوسيع هامش الحركة الميدانية في الجنوب اللبناني. هذه الأدوات تهدف إلى منع ترسخ حزب الله قرب الحدود وخلق بيئة عسكرية غير مستقرة تعيق تموضعه. لكن هذا النمط يحمل داخله مفارقة أساسية: كلما طال أمد الضغط دون حسم، يتحول الهدف من “إضعاف الخصم” إلى “إدارة تهديد مستمر”، أي الانتقال من منطق الهجوم إلى منطق الاحتواء تحت النار.
في المقابل، يعتمد حزب الله على استراتيجية لا تهدف إلى الحسم المباشر بقدر ما تهدف إلى منع إسرائيل من الوصول إليه. فالحزب يعمل ضمن منطق ردع متدرج يقوم على الحفاظ على قدرة إيلام مستمرة، دون السماح بالسيطرة الشاملة تغير قواعد اللعبة جذريًا. بهذا المعنى، يصبح إطالة أمد الحرب، جزءًا من الاستراتيجية نفسها وليس انحرافًا عنها. فالمطلوب ليس النصر التقليدي، بل منع الخصم من تحويل التفوق العسكري إلى نتيجة سياسية حاسمة.
من هنا فإن حزب الله يتعامل مع الوقت كعامل إنتاج للواقع وليس فقط كعامل ضغط. مع كل يوم يمر دون حسم، تتراجع إمكانية فرض تغيير جذري في الجغرافيا الأمنية للجنوب، وتتكرس حالة “الرمادية الاستراتيجية” التي لا تسمح لأي طرف بإعلان السيطرة أو النصر النهائي. هذا التراكم الزمني يجعل الاستنزاف نفسه أداة ردع، لأنه يرفع كلفة الحسم على الطرف الاسرائيلي تدريجيًا.
من الجانب الإسرائيلي، يتصاعد داخل النقاش الأمني والسياسي قلق أكثر تعقيدًا من مجرد استمرار الحرب، يتمثل في سيناريو فشل تحقيق الأهداف رغم استمرار العمليات. هذا القلق لا يرتبط بفكرة الهزيمة العسكرية المباشرة، بل بما تصفه بعض التحليلات بـ”فشل الترجمة الاستراتيجية للقوة”. أي أن إسرائيل قد تنجح في إيقاع خسائر متراكمة دون أن تتمكن من إنتاج نقطة تحول حاسمة تعيد تعريف الواقع الأمني في الشمال. هذا السيناريو يُعد إشكاليًا للغاية في العقيدة الأمنية الإسرائيلية، لأنه يعني ببساطة حربًا طويلة دون مخرج واضح أو لحظة إعلان نصر. ويُترجم ميدانيًا من خلال تصريح لاحد جنود الاحتلال في وصفه البيئة الميدانية في الشمال الاسرائيلي بالقول: “مع كل سوء غبار غزة، إلا أنه أفضل من وحل لبنان”، في إشارة إلى صعوبة التضاريس وكثافة الاشتباكات.
وفي المقابل، يظهر في التحليلات الغربية توصيف متكرر لحالة “الاستقرار غير المستقر”، أي وضع لا هو حرب شاملة ولا هو سلام، بل توازن هش قائم على منع الطرفين من فرض حسم متبادل. في هذا الإطار، يصبح الحد الفاصل بين الردع والانفجار حدًا دقيقًا للغاية، تتحكم فيه الحسابات التكتيكية أكثر من القرارات الاستراتيجية الكبرى، ما يجعل أي خطأ في التقدير قابلًا لإعادة فتح مسار تصعيد واسع.
ومع استمرار هذا النمط، تتراجع أهمية مفهوم “النصر” كهدف تقليدي لصالح مفهوم أكثر تعقيدًا: إدارة عدم الحسم. فإسرائيل كما يصرح مسؤوليها تسعى إلى إنتاج واقع أمني يمنع التهديد المستقبلي، لكنها تخشى أن يتحول هذا المسعى إلى حالة مفتوحة لا تنتهي إلى نتيجة قابلة للتثبيت. وفي المقابل، يعمل حزب الله على منع هذا التثبيت نفسه، حتى لو كان الثمن استمرار الاستنزاف على المدى الطويل.
في النهاية، ما يتشكل على الجبهة الجنوبية للبنان ليس حربًا تقليدية بقدر ما هو نظام صراع طويل الأمد تُعاد فيه صياغة مفاهيم الردع والنصر والهزيمة. إسرائيل تقاتل من أجل تحويل القوة إلى نتيجة سياسية واضحة، لكنها تواجه بنية ميدانية واستراتيجية تعرقل هذه الترجمة. وحزب الله يقاتل من أجل منع هذه الترجمة أصلًا، معتمدًا على الزمن والاستنزاف كأدوات مركزية. وبين هذين المنطقين، تبقى الحرب مفتوحة، لكن دون قدرة أي طرف حتى الآن على فرض نهايتها بالشكل الذي يريده، أو حتى تعريفها بشكل نهائي وواضح.
ومع تعمّق هذا النمط، يمكن القول إن الصراع بدأ يتجاوز حدود الجبهة العسكرية التقليدية ليقترب من صياغة “وضع إقليمي دائم” قائم على إدارة الاشتباك أكثر من حسمه. فالمعادلة لم تعد تُقاس فقط بعدد الضربات أو حجم الخسائر، بل بقدرة كل طرف على منع الآخر من تحويل إنجازاته التكتيكية إلى مكاسب استراتيجية قابلة للتثبيت. وهذا ما يفسّر لماذا تبدو الجبهة مفتوحة على تمدد زمني، حيث يصبح كل تصعيد جزءًا من دورة أوسع لا تنتهي عند نقطة واضحة، بل تعيد إنتاج نفسها ضمن مستوى أعلى من التعقيد.
*كاتب لبناني
