وديع العبسي*
يؤكد استمرار موجات الانتقام والتأديب الإيرانية بذات الوتيرة من القوة، مع ارتفاعها أحياناً إلى مستوى اعلى، كما حدث الأسبوع الماضي بدخول صواريخ جديدة، أن الجمهورية الإسلامية بالفعل تنتصر في هذه الجولة الحاسمة مع أعداء الإنسانية من إرهابيي أمريكا و»إسرائيل»، وأن ما قبل 28 فبراير 2026، لن يكون كما بعده مطلقا.
التسليم بذلك -في أبسط مستوياته- يتجسد في التصريحات «الترامبية» التي اكثرت اللغو في الحديث، فادعت نسف القوة الإيرانية الإسلامية، وتحويل الجمهورية إلى دولة بلا اذرع وبلا أقدام. واستعارت هذه التصريحات مصطلحات ذات علاقة بالهجمات والأسلحة المستخدمة في التدمير المزعوم لقدرات الحرس الثوري، وأبرزها القوة الصاروخية والقوة البحرية «100٪»، حسب هذيان «ترامب».
ما يمكن فهمه من ارتفاع سقف «الوهم» لدى «ترامب» هو رغبته استمالة مواقف الحلفاء وتحويلها إلى تحرك عملي ينقذه من المأزق الذي يدركون تفاصيله لحظة بلحظة. إلا أن ردود فعل الحلفاء غالبا ما كانت تأتي بالشكل الصادم للرئيس الأمريكي، لإدراكهم أن واشنطن بالفعل تغرق هذه المرة في جولتها الإرهابية ضد المنطقة. وهو ما أضاف انتكاسة أخرى للإمبراطورية الأمريكية الكاذبة، ضمن ما بدأت تتكشف من تداعيات قاتلة للعدوان على المسلمين.
تعيش أمريكا في هذه اللحظة الفارقة والاستراتيجية، تحولا بارزا مع اتساع مساحة العزلة التي صارت اليها بفعل أعمال البلطجة المسلحة ضد الدول، وفي جولة العدوان على إيران، لم يمر سوى أسبوع حتى بدأت التشققات والتصدعات تضرب تحالفات واتفاقات و»المجاملات» التي تجمع الولايات المتحدة بدول أخرى، بما فيها دول تربطها معها اتفاقيات حماية.
الجميع أدرك أن هذه الحرب هي في الأصل «صهيونية»، وأمريكا أقحمت نفسها فيها باعتبارها اليد التي تبطش بها هذه الصهيونية، لذلك رأت هذه الدول أن دخولها في حرب «غير سويّة»، إنما سيزيد من تأزيم الوضع وبالتالي التداعيات على كل دول العالم.
عالمياً، أكبر حلفاء واشنطن، «الناتو» تمرد على رغبة ترامب في التورط معه في عمليته الإرهابية، و»فك» معضلة مضيق هرمز. ترامب الذي أزعجه رفض أكثر أعضاء الناتو، عاد أدراجه إلى منصته «تروث سوشال»، لينفِّس من خلال تغريداته عن غيظه، فادعى كعادته أنه يحقق انتصارات في عدوانه على الشعب الإيراني، وبالتالي فإن طلبه يعتبر في حُكم الملغي.
أما داخليا وفي عقر البيت الأمريكي، فإن الحرب وأثارها ولدت انقسامات واضحة سواء في الشارع الأمريكي أو لدى النخبة السياسية، خصوصا وانها لم تحصل على موافقة المشرعين، وفي كلٍ، مثّل هذا الوضع حالة تفكك تتعاضد مع أخرى لتنذر بمستقبل غامض للاتحاد. ففي لحظة من تدفق الضربات الإيرانية على المصالح الأمريكية والإسرائيلية، اشتد الخلاف بين الجمهوريين والديمقراطيين.
وإلى ذلك مثلت استقالة مدير المركز الوطني الأمريكي لمكافحة الإرهاب «جوزيف كينت» على خلفية العدوان على إيران، ضربة موجعة لترامب الذي كان هو من عيّنه في هذا المنصب، وتكشف بوضوح حجم الانقسام داخل الإدارة الأمريكية، حسب صحيفة الواشنطن بوست.
الحادثة كشفت أنه وإلى جانب فشل ترامب في ممارسة ضغوطه على الحلفاء للدخول معه في حلف ضد ايران، فشل في ضمان تماسك جبهته الداخلية وكسْب وقوفها في صفه. «كينت» أوضح أن ترامب حوّل أمريكا إلى أداة بيد إسرائيل عبر تنفيذ الحرب لرغبة نتنياهو. واعتبر المبررات التي ساقها ترامب للحرب على إيران مبنية على أكاذيب روجتها إسرائيل، مؤكداً أنها لا تخدم الشعب الأمريكي، وقال لترامب مباشرة في رسالة «لا يمكنني بضمير مرتاح أن أؤيد الحرب الدائرة في إيران، فإيران لا تشكل أي تهديد مباشر على بلادنا».
*نقلا عن الثورة
