اليمن الحر الأخباري

ما مدى إمكانية غزو امريكا لجزيرة خرج الإيرانية؟

مركلين جمال ساعود*
في ظل التصعيد المتسارع الذي يشهده عام 2026، لم يعد الحديث عن استهداف جزيرة خرج الإيرانية مجرد طرح إعلامي أو تهديد سياسي عابر، بل أصبح سيناريو مطروحًا ضمن الحسابات العسكرية الواقعية، نظراً للأهمية الاستراتيجية التي تمثلها هذه الجزيرة في بنية الاقتصاد والأمن القومي الإيراني. فجزيرة خرج تُعد المركز الأهم لتصدير النفط الإيراني، حيث تمر عبرها النسبة الأكبر من الصادرات، ما يجعلها هدفًا بالغ الحساسية في أي مواجهة محتملة.
من الناحية العسكرية البحتة، تمتلك الولايات المتحدة تفوقًا واضحًا في القدرات الجوية والبحرية، يتيح لها – نظريًا – تنفيذ عملية إنزال برمائي للسيطرة على الجزيرة، خاصة بالنظر إلى مساحتها المحدودة وضعف عمقها الدفاعي. إلا أن هذا التفوق لا يلغي التحديات الكبيرة المرتبطة بطبيعة البيئة العملياتية في الخليج العربي، ولا سيما قرب الجزيرة الشديد من الساحل الإيراني، حيث لا تبعد سوى نحو 30 إلى 40 كيلومترًا. هذا القرب يمنح إيران ميزة تكتيكية حاسمة، إذ تستطيع استهداف أي قوات متمركزة في الجزيرة باستخدام المدفعية الساحلية، والصواريخ قصيرة المدى، والطائرات المسيّرة الانتحارية بكثافة عالية.
وعليه، فإن وصف العملية بأنها “انتحارية” قد يكون مبالغًا فيه، لكنه يعكس حقيقة أنها ستكون عالية الكلفة من حيث الخسائر البشرية والمادية، خصوصًا في ظل ما يُعرف بعقيدة “منع الوصول/الحرمان من المنطقة” التي تعتمدها إيران في الخليج، والتي تقوم على إغراق الخصم بكثافة نارية متعددة الوسائط لإرباك تفوقه التكنولوجي.
أما على المستوى الاستراتيجي، فإن السيطرة على جزيرة خرج لا تعني بأي حال نهاية الحرب، بل قد تمثل بدايتها الفعلية. فمن المرجح أن تدفع هذه الخطوة إيران إلى الانتقال نحو نمط حرب استنزاف طويلة الأمد، تستخدم فيها كامل أدواتها العسكرية وغير التقليدية، بما في ذلك استهداف القواعد الأمريكية المنتشرة في العراق ودول الخليج، وتفعيل شبكات حلفائها الإقليميين، بالإضافة إلى تكثيف الهجمات على الملاحة البحرية في الخليج.

وفي هذا السياق، يبرز الحديث عن إمكانية إغلاق مضيق هرمز كأحد أبرز تداعيات التصعيد. ورغم أن الإغلاق الكامل للمضيق يُعد خيارًا صعب التنفيذ على المدى الطويل في ظل التفوق البحري الأمريكي، إلا أن إيران تمتلك القدرة على تعطيله جزئيًا عبر زرع الألغام البحرية واستهداف ناقلات النفط، ما يكفي لرفع تكاليف الشحن والتأمين إلى مستويات قياسية، وإحداث اضطراب كبير في أسواق الطاقة العالمية.
اقتصاديًا، فإن أي استهداف مباشر لجزيرة خرج سيؤدي إلى صدمة قوية في سوق النفط، نظرًا لدورها المحوري في تصدير الخام الإيراني. ومن المرجح أن تشهد الأسعار ارتفاعًا حادًا قد يصل إلى مستويات تتراوح بين 150 و200 دولار للبرميل في المدى القصير، خاصة إذا ترافقت العمليات العسكرية مع تهديدات جدية للملاحة في الخليج. ومع ذلك، فإن استمرار هذه الأسعار المرتفعة سيعتمد على مدة الأزمة وقدرة الأسواق العالمية، بما في ذلك تدخل أوبك وزيادة الإنتاج من قبل الولايات المتحدة، على امتصاص الصدمة.
أما على المستوى الدولي، فإن موقف الصين سيكون حاسمًا، باعتبارها أحد أكبر المستوردين للنفط من المنطقة. ومع ذلك، فإن احتمالية انخراطها في مواجهة عسكرية مباشرة تظل ضعيفة، إذ يُرجح أن تلجأ إلى أدوات الضغط الاقتصادي والدبلوماسي، وربما تقديم دعم غير مباشر لإيران، دون الانزلاق إلى صدام مفتوح مع واشنطن.
في المقابل، قد تلجأ إيران إلى خيار “تعطيل المنشآت” في جزيرة خرج بدلاً من السماح بسقوطها بيد الخصم، في إطار استراتيجية تهدف إلى حرمان العدو من الاستفادة منها، مع الحفاظ على إمكانية إعادة تشغيلها مستقبلاً. وهو ما يعكس إدراكًا إيرانيًا لأهمية هذه المنشآت كأصل استراتيجي طويل الأمد، وليس مجرد هدف عسكري مرحلي.
في ضوء ما سبق، يمكن القول إن غزو جزيرة خرج يمثل خيارًا عسكريًا ممكنًا من الناحية التقنية، لكنه معقد ومحفوف بالمخاطر من الناحية الاستراتيجية. فبينما قد تحقق الولايات المتحدة نجاحًا تكتيكيًا سريعًا في السيطرة على الجزيرة، إلا أن ذلك قد يفتح الباب أمام تصعيد إقليمي واسع النطاق، يحول الإنجاز العسكري المحدود إلى عبء استراتيجي ثقيل.
وعليه، فإن هذا السيناريو يُعد أقرب إلى ورقة ضغط قصوى ضمن أدوات الردع المتبادل، وليس خيارًا مفضلًا للتنفيذ الفعلي، نظرًا لما قد يترتب عليه من تداعيات يصعب احتواؤها، ليس فقط على مستوى إيران والولايات المتحدة، بل على استقرار النظام الإقليمي والدولي بأسره.
*كاتبة سورية

Exit mobile version