عدنان نصّار*
لم يعد السؤال في هذه الحرب: ماذا يريد نتنياهو؟
بل ماذا تبقّى له ليحافظ عليه؟
في لحظةٍ تبدو فيها المنطقة وكأنها تُعاد صياغتها على وقع النار، يقف نتنياهو أمام مشهد يتجاوز حدود خططه الأولى. لم تعد الحرب أداة ضغط بيده، بل واقعًا ضاغطًا عليه؛ ولم يعد الزمن عنصرًا يمكن توظيفه، بل عبئًا يتراكم مع كل يوم إضافي من المواجهة. فالحروب، حين تطول، لا تمنح قادتها فرصة التجميل، بل تجرّدهم من رواياتهم الأولى، وتضعهم أمام حقيقة واحدة: النتائج.
منذ البداية، حاول نتنياهو أن يقدّم الحرب بوصفها ضرورة، بل حتمية، لإعادة ترميم صورة الردع واستعادة المبادرة. غير أن ما لم يُحسب بدقة، هو أن الحروب لا تسير وفق رغبات من يعلنها، بل وفق تعقيدات الميدان وتشابكات السياسة وحدود القوة. وهنا تحديدًا، بدأت المسافة تتسع بين ما أُريد للحرب أن تكونه، وما أصبحت عليه بالفعل.
اليوم، يجد نتنياهو نفسه أمام مفارقة قاسية: كلما حاول الاقتراب من صورة “الحسم”، ابتعد أكثر عن إمكانية تحقيقه. فالميدان لا يمنح انتصارًا واضحًا، والسياسة لا توفّر غطاءً مفتوحًا، والداخل لم يعد يحتمل مزيدًا من الانتظار بلا أفق. هكذا، تتحول الحرب من مشروع قوة إلى اختبار استنزاف، ومن لحظة قرار إلى مسار مفتوح على احتمالات غير مضمونة.
في الداخل، تتراكم الأسئلة الثقيلة: إلى أين تتجه الحرب؟ وما كلفتها الحقيقية؟ ومن يتحمل مسؤولية إطالتها؟ أسئلة لم تعد تُطرح همسًا، بل بصوتٍ عالٍ في الشارع، وفي الإعلام، وحتى داخل دوائر القرار.
وقد خرجت دعوات للتظاهر داخل إسرائيل تطالب بإسقاط نتنياهو، في توقيت بالغ الحساسية، حيث يفترض أن توحّد الحروب الجبهات لا أن تكشف تصدّعاتها. غير أن هذه الدعوات، التي جاءت وسط أزيز النار، تعكس ما هو أبعد من مجرد احتجاج عابر؛ إنها مؤشر على تململ داخلي آخذ في الاتساع، وعلى وصول شريحة من الشارع إلى ما يمكن تسميته بـ”القرف السياسي” من نتنياهو. ذلك الشعور المتراكم الذي لا يتشكل فجأة، بل يولد من تراكم الإخفاقات، وغياب الأفق، وفقدان الثقة بقدرة القيادة على الخروج من المأزق. هنا، لا تعود الحرب عامل توحيد، بل تتحول إلى مرآة تكشف عمق الأزمة داخل المجتمع نفسه.
أما في الخارج، فالمعادلة أكثر تعقيدًا؛ دعمٌ مشروط، وضغوطٌ متزايدة، وصورة دولية تتآكل مع كل مشهد إنساني قاسٍ يخرج إلى العالم. هكذا، يتحول الصراع من مجرد مواجهة عسكرية إلى اختبار شامل للقيادة، حيث السياسة والشارع والمجتمع الدولي يفرضون شروطهم على صانع القرار.
هنا، يدخل نتنياهو واحدة من أكثر لحظاته السياسية حرجًا: لحظة تضيق فيها الخيارات إلى حدّ الاختناق.
فالتصعيد يحمل في طياته مخاطر اتساع رقعة الصراع، والتراجع يفتح باب المساءلة، والاستمرار بلا أفق واضح يراكم الخسائر دون أن يضمن نتيجة.
وهكذا، لا تبدو الأزمة في الحرب نفسها، بل في غياب القدرة على إنهائها بشروط مقبولة. فالبدايات، مهما بدت حاسمة، لا تضمن نهايات مريحة. وفي عالم السياسة، لا يُحاسب القادة على قراراتهم فقط، بل على نتائجها أيضًا… خاصة حين تتحول هذه القرارات إلى أعباء يصعب الفكاك منها.
في هذا السياق، لا يعود رئيس وزراء الإحتلال نتنياهو مجرد “قائد” يخوض حربًا، بل يصبح جزءًا من معادلتها المعقدة؛ يتأثر بها بقدر ما يؤثر فيها. ومع كل يوم يمر، تزداد كلفة البقاء في المسار ذاته، وتتعاظم صعوبة الخروج منه دون خسائر سياسية عميقة.
تلك هي اللحظة التي تنقلب فيها الحروب على صُنّاعها:
حين يفقد القرار قدرته على التحكم،
وحين يتحول الهدف إلى عبء،
وحين يصبح السؤال الأهم… ليس كيف تبدأ الحرب، بل كيف تنجو منها.
*كاتب وصحفي أردني
