اليمن الحر الأخباري

من الردع إلى إدارة الألم!

د. هاني الروسان*
مع اقتراب انتهاء المهلة التي وضعها دونالد ترامب لقبول ايران بعقد اتفاق يلبي الشروط الامريكية، واتساقا مع طبيعة التهديدات والتهديدات المضادة، فان السؤال الذي يطرح نفسه هو، الى اي نمط من الحروب تتجه اليه عذه الحرب التي دهلت شهرها الثاني ؟؟ وهل ما يجري من تصعيد هو تفاوضي أم انتقال بنيوي في منطق استخدام القوة؟
فالتهديد الأمريكي باستهداف البنية التحتية الإيرانية لا يمكن قراءته ضمن الأدبيات الكلاسيكية للحروب التي تفصل عادة بين المجالين العسكري والمدني، بل تؤشر إلى تحول نوعي نحو نموذج يستهدف “قابلية الحياة” داخل الدولة، يتجاوز قدرتها القتالية، وهو ما يضعنا أمام ضرورة إعادة تعريف فعلية لمعنى الردع، الذي لم يعد موجّهًا إلى الجيوش بقدر ما اصبح موجّهًا إلى المجتمعات ذاتها.
وفي هذا السياق، يبدو أن تنفيذ التهديد الأمريكي مرجّح، لكن ليس بالصيغة القصوى التي توحي بها لغة ترامب العنترية. فواشنطن، وهي تدرك أن الانتقال إلى تدمير شامل للبنية التحتية سيؤدي إلى تفكيك قابلية السيطرة على مسار الصراع، تميل إلى اعتماد نمط من الضربات المحدودة ذات الكثافة الرمزية العالية، التي تستهدف نقاطًا ذات طابع مزدوج، مدني-عسكري، بما يسمح بتحقيق معادلة دقيقة: الحفاظ على مصداقية الردع من جهة، وتفادي الانزلاق إلى حرب مفتوحة من جهة أخرى. فالهدف هنا ليس الحسم العسكري، بل إعادة ضبط سلوك الخصم عبر رفع كلفة التحدي، دون دفعه إلى خيارات قصوى.
غير أن هذه المقاربة تصطدم ببنية التفكير الاستراتيجي الإيراني، التي قد لا تتعامل مع الضربة بوصفها تصعيدا محسوبا، بل كجزء من معادلة كلية يجب إعادة التوازن الى مكوناتها، وهنا، لا يُطرح الرد الإيراني كاحتمال، بل كضرورة وجودية للحفاظ على منطق الردع ذاته، كما انه لن يتخذ شكل المواجهة المتماثلة، بل سيذهب الى التأسيس على ما يمكن تسميته بـ”التماثل المؤلم”، حيث لا يكون الهدف إلحاق ضرر عسكري مباشر بقدر ما يكون تعميم الكلفة على المجال الإقليمي برمّته.

وعليه فان الرد الايران قد يأتي على ثلاثة مستويات متداخلة: أولها، توجيه ضربات مباشرة محسوبة ضد أهداف أمريكية في الإقليم، بما يحقق حدًا أدنى من الرد دون استدعاء ردّ ساحق. ثانيها، توسيع ساحة الاشتباك عبر تفعيل شبكات الحلفاء، بما يحوّل المواجهة من علاقة ثنائية إلى بنية صراعية متعددة الجبهات، يصعب احتواؤها ضمن مسرح عمليات واحد. أما المستوى الثالث، وهو الأخطر، فيتمثل في توظيف الجغرافيا كسلاح، عبر تهديد ممرات الطاقة وعلى رأسها مضيق هرمز، بما يعني نقل الصراع من نطاقه العسكري إلى قلب النظام الاقتصادي العالمي.
وهنا تحديدًا ُيتكشف جوهر التحول، اي ان الحرب لم تعد تدور حول تدمير القدرات، بل حول إدارة التدفقات—تدفق الطاقة، والتجارة، والاستقرار. وبذلك، يتحول الاقتصاد العالمي إلى امتداد مباشر لساحة المعركة، حيث تصبح الأسعار، وسلاسل الإمداد، ومخاطر التأمين، أدوات ضمن معادلة الردع، لا مجرد نتائج جانبية لها.
غير أن الأثر الأكثر عمقًا لا يكمن في البعد العسكري أو الاقتصادي، بل في إعادة تشكيل العلاقة بين الدولة والمجتمع تحت الضغط. فاستهداف البنية التحتية، سواء في إيران أو في محيطها الإقليمي، لا يؤدي بالضرورة إلى إضعاف الأنظمة، بل قد ينتج ديناميكيات عكسية، حيث يتحول الضغط الخارجي إلى عامل تعبئة داخلية، ويُعاد إنتاج الشرعية عبر خطاب الصمود في مواجهة “استهداف مقومات العيش”، وبذلك، تفشل فرضية أن تدمير شروط الحياة يؤدي تلقائيًا إلى تفكك النظام، وتبرز بدلًا منها معادلة أكثر تعقيدًا: كلما اتسع نطاق الألم، ازداد احتمال تحوّله إلى أداة تماسك.
في المقابل، لا يمكن تجاهل أن هذا النمط من الصراع يحمل في داخله حدودًا بنيوية. فإيران، رغم اعتمادها استراتيجية تعميم الكلفة، تدرك أن تجاوز سقف معيّن—كاستهداف مباشر للعمق الأمريكي أو القفز الفوري نحو الخيار النووي—قد يفضي إلى ردّ غير قابل للاحتواء. وهو ما يجعل حركتها محكومة بمنطق دقيق: رفع الكلفة إلى الحد الأقصى الممكن دون بلوغ عتبة الانفجار الشامل. لكن هذه “الدقة” ذاتها تظل هشّة، لأن تعدد الفاعلين، وتداخل الجبهات، وارتفاع منسوب التوتر، كلها عوامل تزيد من احتمالات الانزلاق غير المقصود.
وفي المحصلة، نحن لا نقف أمام سيناريو حرب شاملة بالمعنى التقليدي، ولا أمام إمكانية حقيقية للتهدئة، بل أمام تشكّل نمط ثالث يمكن وصفه بـ”حرب إدارة الألم المتبادل”، حيث تسعى كل من واشنطن وطهران إلى استخدام القدرة على الإيذاء—لا لتدمير الخصم نهائيًا، بل لفرض حدود على سلوكه. غير أن هذا النمط، رغم كونه أقل تكلفة من الحرب المفتوحة، أكثر خطورة على المدى البعيد، لأنه لا ينتهي بحسم، بل يستمر كحالة استنزاف ممتدة، تتآكل فيها الفوارق بين العسكري والاقتصادي، وبين الجبهة والعمق، وبين الدولة والمجتمع.
وعليه، فإن السؤال لم يعد ما إذا كانت الولايات المتحدة ستنفّذ تهديدها، ولا كيف سترد إيران، بل ما إذا كان هذا المسار ذاته—القائم على تعميم الألم—قابلًا للضبط أصلًا، أم أننا بصدد دخول مرحلة يصبح فيها الانفلات، لا القرار، هو المحدد الفعلي لمسار الصراع.
*كاتب وأكاديمي تونسي

Exit mobile version