اليمن الحر الأخباري

كلفة الرهان على تصفية المقاومة!

د. ادريس هاني*
أن تكون حربا حضارية كما لوح ترامب، وهو يتوعد بإزالة إيران من الخريطة، وبأنه بصدد حرب حضارية، فهي قضية مفهومة، لولا أنها تعزز قناعة العالم بأن راعي البقر يتهدد الإنسانية ويعلنها همجية مطلقة. هذه حقيقة ستكتب في سجل الإمبريالية في ذروة تهتكها. فالقرصان سارق الموارد الطبيعية يقرأ مصير الأمم من منظور قيام وسقوط المقاولات لا الحضارات. لم يعد الهدف تغيير نظام وتمكين الشعب من ديمقراطية بللوها بدموع التماسيح ومخاط الرجعية المقنعة، بل في أقل من أربعين يوما أصبحت حربا حضارية تستهدف ثقافة ومكتسبات شعب لم يخضع.
إن كان العالم يتجه نحو نظام عالمي جديد، فهل من المعقول أن ندخل هذا العهد بشروط العقل السياسي نفسه، أم أن الواقع سيفرض شكلا من المناسبة بين المرحلة الجديدة وشروط الانضمام إلى العهد الجديد؟
لا يمكن أن يتحقق النظام العالمي الجديد من دون صدمة تهز البنية الذهنية للمجتمع الدولي، وهو ما يطيح بالسرديات الكبرى التي قام عليها النظام القديم. ويهمني هنا التركيز على العقل العربي في هذا المفرق التاريخي، نظرا للأولوية التي يطرحها فعل الاستدراك الملح، كي لا نتلاشى في مهب نظام عالمي قادم من دون رصيد، يمكننا كعرب من احتلال موقع مناسب في النسق القادم.

ستلعب الحرب دورا أساسيا في إعادة نظم العالم سياسيا واقتصاديا وحضاريا. وستجد السرديات التقليدية سواء في المركز أو الهامش معا، طريقها للأفول. فبالنسبة للأنظمة العربية وغيرها في الإقليم، ستجد مداخل لتغيير أولوياتها والتموضع ضمن قواعد اشتباك ستكرسها مخرجات الحرب الجارية، وذلك باعتبار أن الدولة بمفهومها الحديث هي – ويجب أن تكون كذلك- مؤسسة عقلانية؛ هذا هو وضعها ومقصدها البيروقراطي بالمعنى الفيبيري. وهنا بالتحديد ستدرك الدول العربية أهمية الحياد الأكسيولوجي، ليس بمعناه المسيخ الذي تنزل في شروط تخلفنا العربي تنزيلا وظيفيا يعزز التبعية ويقوض مسؤولية النخب والدور الاجتماعي والتاريخي للمثقف؛ فالحياد الاكسيولوجي، قد يكون مساعدا على تجاوز الوفاء المرضي للسرديات الكلاسيكية للنظام العالمي القديم، وتمكين العقل السياسي العربي من قراءة المشهد بصورة متجددة تأخذ بعين الإعتبار الشروط الواقعية لعالم متغير لا يكرر نفسه.
في هذه المعركة التي يتركز فيها الفعل الطليعي للمقاومة في الحيز المناهض للهيمنة، واضح أن هناك ثلاث صور أو مستويات للموقف من واقع الصمود، ويمكن الإشارة إلى أهم مؤشرات المواقف الثلاثة في ما يلي:
1 *- الموقف الجماهيري العام*
وكما سبق ولمحنا إلى أهمية مكر التاريخ في قلب الصورة ووخز الوعي، حيث تزامن الحدث الكبير مع الثورة الرقمية والسيبرانية والدور الشمولي للصورة وأثرها المباشر على الوعي. اليوم تحديدا، يستطيع الجمهور العريض والرأي العام أن يواكب الأحداث ويبلغ حقيقتها مباشرة بلا واسطة، على الرغم من التضليل الإعلامي، حيث كسر مارد الصورة طوق الاحتكار. وفي هذا السياق، ستدرك الأغلبية الساحقة طبيعة الخدعة ومسلسل التضليل الذي غمر الوعي العام ردحا من الزمن، مما يجعل الرأي العام الغالب في وضعية انقلاب. فمن شأن الحدث أن يؤدي إلى زعزعة الثقة بالسرديات القديمة، وينتهي إلى حالة من ثأر الحدث(la revanche de l’événement).
إن قصة صناعة رأي عام بالتضليل، لم تعد مهمة سهلة وحاسمة، وربما في مرحلة الصدمة يحدث تحول عميق في اتجاه الرأي العام. ذلك لأن قصة الشعوب هي قصة جدل العلم والجهل. وسنلاحظ اليوم أن الرأي العام يتابع الملاحم اليومية في معركة حارقة ستفقد معها سرديات التحكم بوعي الجمهور سلطتها. اليوم ستنهار أقصوصة وجود علاقة خفية بين طهران وإسرائيل، الأقصوصة التي عمرت طويلا في كوميديا سرديات الميديا، حتى باتت سرديات شمطاء، يمكن أن يكشف عن تفاهتها غر صغير من الجيل الرقمي. ضف إلى ذلك خرافة أننا إزاء مسرحية، وبأن إيران باعت “أذرعها”، بعد أن تبين أن القيادات الأولى تتسابق على مجد الشهادة في معركة وجود لا رجعة فيها. كل تلك السرديات الغبية التي يحتفظ بها الصندوق الأسود لأزمنة التجديف، ستجد طريقها إلى مزبلة التاريخ.
سيكون للحرب أثرا مباشرا على وعي الجمهور، في الغرب وفي المنطقة، لأن نقطة ضعف الجمهور هو ضعف المناعة إزاء التضليل، لكن نقطة قوته هو الفضول المعرفي، حيث ليس له محفز مصلحي لتجاهل ما يبدوا جليا أمامه، فالتجاهل هو وظيفة للطبقة الوصولية لا الجمهور.
وأمام هذا الوضع، يبدو الموقفان التاليان لهما صلة بانقلاب الصورة وانهيار الوعي القديم، فنكون أمام موقف ثاني أكثر تذاكيا وموقف ثالث أقل شطارة.
2 *- موقف الرهان السياسوي*
غالبا تجد هيئات المجتمع السياسي والمدني، من فصائل وتنظيمات متورطة في حركة التشنيع المزمن على محور الممانعة، لا سيما التنظيمات التي لم توفر منذ ثمانينيات القرن الماضي جهدا لزرع الخطاب الطائفي وتربية أجيال على هذا النمط الكيدي، أجل ستجد نفسها في حرج من انقلاب الصورة؛ ومن هنا فهي تفضل الهروب إلى الأمام بعد رهانها الطويل على فكرة اللعب السياسي، وقاعدة الصلاة وراء من غلب، لتعفي نفسها من استحقاقات المستقبل. يؤمن الهروب إلى الأمام لهذه الفئة التنصل من مسؤولية زرع خطاب طائفي، من خلال لعبة، سبق وسميناه بالنقيض المغشوش في جدل زايف. وهذا الصنف يراهن على تحول الصورة ويؤمن له من الآن مقعدا في حفل انتصار لم يكن طرفا حقيقيا فيه، فيما لا زال بعض أتباعهم يشعرون بحنين إلى زمن التهريج الطائفي والعنصري الذي أضاع على الأمة فرصا كثيرة للإلتئام. الهم الأساسي لهذه الفئة تفادي خسارة الجمهور، والخوف من أن يتقدم عليها في هذا الرهان. لكن هذا لا يمنع من وجود مواقف أكثر جدية في اختياراتها الجديدة.
3- *موقف الدونكشوط*
إن وضعية هذه الفئة صعبة جدا، وهي تواجه حظا عاثرا، وتأبى الاستسلام للواقع، فتشكل جيبا مقاوما، أشبه بحرب على طواحين الهواء. هناك دفاع مستميت لكنه غير مقنع للسرديات القديمة.
نشهد لدى هذه الفئة هياجا بليدا يهدف إلى تعزيز صورة فقدت بريقها تحت طائلة النار. نوبة بارانويانية شديدة تحاول استرجاع جمهور هارب أصيب بالملل من فرط هذا التكرار التضليلي. لم تعد تجد هذه الفئة مجالا للاشتغال على جودة المحتوى؛ لا وثيقة تسند معطياتها ولا مفهوم يعزز رؤيتها، غير إرادة المضي في استغلال متلقي غافل، لكنه غافل إلى حين.
أخيرا اذعن البهلوان لشروط طهران، بعد ليلة من الوعيد، وهو ما يؤكد أنه يرسل رسائل فوق الماء يبرز فيها عضلات وهمية بالغة النزق، بينما يبعث منذ شهر برسائل تحت الماء يطلب فيها وقف الحرب. وقد أمضى ترامب على بياض بخصوص إطلاق طهران سراح مضيق هرمز، لكنه لن يمنع من حق طهران في تنظيم المرور. سيدفع ترامب تعويضات لطهران، وسيكون ذاك إعلانا لانتصار خيار الصمود على خيار القطب الوحيد. أما الاحتلال، فسيجد نفسه مرغما للإذعان، وسيكون ذلك انتصارا لمحور المقاومة. لا شيء إذن انتهى، إنه تاريخ غير قابل للمحق، تاريخ الخالدين.
*كاتب مغربي

Exit mobile version