اليمن الحر الأخباري

راعي البقر يفتتح مرحلة جديدة من العهر السياسي!

د. ميساء المصري*
تمر علينا لحظات يختلط فيها صخب السياسة بارتباك المعايير، ويصبح الحدث أكبر من أن يُختصر في خبرٍ عابر، ليبرز صوت المفكر بوصفه محاولة لفهم ما يتجاوز الظاهر إلى جوهر الأشياء.
إستمعت الى بث مباشر على مواقع التواصل الاجتماعي لطرح المفكر الفلسفي والروائي يوسف زيدان عن ماهية الحرب بين ايران وامريكا-اسرئيل ، لا بوصفه تعليقًا آنياً على حدثٍ سياسي، بل باعتباره قراءة فلسفية تحاول أن تلتقط خيط المعنى الممتد بين ما حدث، وما يحدث، وما يمكن أن يحدث.
وأقول لكم بصدق ان الطرح لم يكن مجرد توصيف للحرب، بل إعادة تشكيل للرؤية ذاتها، ولواقع لن يفهمه إلا العقلاء ، فقد قدم مقاربة تتجاوز السرد التقليدي، بتفكيك الصراع، وتعرية طبقاته الخفية، لتتقاطع السلطة مع الخطاب، وتتداخل المصالح مع الأيديولوجيا، ويصاغ الواقع بلغةٍ أقرب إلى الفلسفة منها إلى السياسة اليومية.
انتبهوا مقالتي هذه ليست استجابة انفعالية، بل صدمة فكرية أعادت ترتيب الأسئلة قبل الإجابات، ودفعتني إلى إعادة النظر في طبيعة الحرب كبنية بذاتها،هل هي صراع مصالح ، أم خلل أعمق في بنية النظام الدولي؟ وهل ما نشهده لحظة كاشفة لانهيار المعايير التي حكمت العالم لعقود؟..

بداية وصف زيدان الحرب الراهنة بالعهر السياسي الحاد في السلوك الدولي، حيث لم تعد الحرب تُدار وفق أطر عقلانية تقليدية، بل إنعكاسا من التناقض والانفعال والتوظيف الأيديولوجي.
يستدعى زيدان المعنى اللغوي الذي أورده لسان العرب حول القلب المتبل بوصفه القلب المتألم لشعوب الاقليم الشرق اوسطي ، للدلالة على حالة الإحتقان والتوتر والألم لما نشهده في لحظات التصعيد.
إن توصيف الحرب بـالعهر هنا لا يُقصد به المعنى الأخلاقي الضيق، بل يشير إلى انفلات المعايير وهمجية السلوك السياسي وافتقاره إلى الضبط، كما يظهر في القصف العنيف الذي استهدف لبنان في لحظة يُفترض أنها هدنة وقف إطلاق النار، بما أدى إلى سقوط أعداد كبيرة من الضحايا، وهو ما يعكس اختلالًا في قواعد الاشتباك وغيابًا للإلتزام.
في المقابل، نجد تصريحات دونالد ترمب نموذجًا لخطاب سياسي يتداخل فيه الديني مع العسكري والاقتصادي، على نحو يثير إشكاليات عميقة وتصريحات توحي بتفوق حضاري أو برسالة إنتاج استعلائية قائمة على التفوق والاحتقارية لشعوب الاقليم وحكامها .
إن ايحاء ترمب بدوره الرسالي أو أنه المسيح، والحديث بلغة هرمية تُقسم العالم إلى أعلى وأدنى وابتزازات أخلاقية علنية ، لا يعكس فقط أزمة خطاب، بل يكشف عن نزعة تألّه سياسي يعيشها الرئيس المتخبط ومقتنع بها بجنون.
ان الحديث عن فرض النظام الإبراهيمي بالقوة، يطرح تساؤلات حول مدى دقته المفاهيمية، في ظل الاختلافات العقائدية العميقة بين الأديان الثلاث نفسها، الأمر الذي يجعل من هذا الطرح أقرب إلى أداة سياسية لإعادة إنتاج للسلطة بلباس ديني أكثر هيمنة وتعقيدا.
ولا يمكن إغفال البعد الاقتصادي في تفسير السلوك الأمريكي، حيث تحكمه خلفية براغماتية ذات طابع تجاري، تقوم على تعظيم المصالح، خصوصًا في مجالات الطاقة والنفط، كما ظهر في سياسات سابقة مثل فنزويلا، مع اختلاف السياق في الحالة الإيرانية التي تتسم بخصوصية ثقافية وسياسية، أشار إليها يوسف زيدان بوصفها جزءًا من بنية ثقافية تميل إلى تمجيد التضحية والشهادة.
تكشف هذه الحرب أيضًا عن نمط يمكن وصفه بـالمائعة السياسية أو الهيدروليكية السياسية، حيث تتغير المواقف بسرعة تحت ضغط المصالح، كما يتضح في تحولات مواقف دولية وإقليمية، من بينها التحول في العلاقة بين رجب طيب أردوغان وعبد الفتاح السيسي، بعد فترة من التوتر الحاد.
ويعكس هذا النمط غياب الثبات في التحالفات، وتحول السياسة الدولية إلى مجال ديناميكي تحكمه الضغوط والتوازنات اللحظية مما يجعل العدالة الدولية رهينة لموازين القوة.
يبرز الان ايضا عنصر انعدام المنطق السياسي كما في التصريحات المتعلقة بالسيطرة على أقاليم أو دول أخرى حين يعلنها ترمب صراحة بالنية في الاستيلاء على غرينلاند أو كندا أو جنوب افريقيا ، وهو ما يتنافى مع قواعد القانون الدولي ومبادئ السيادة.
كما يظهر انعدام الضبط الأخلاقي في التفاخر باستخدام القوة أو العمليات الأمنية، بما في ذلك الاغتيالات العلنية للقادة الايرانيين وعائلاتهم، وهو ما يثير تساؤلات حول تآكل المعايير الأخلاقية في إدارة الصراعات.
وعليه، يمكن فهم هذه الحرب بسبعة مداخل أساسية، تفكك المعايير، التوظيف الأيديولوجي الموروث، النزعة الاستعلائية الاحتقارية،التأله، البراغماتية الاقتصادية، السيولة السياسية، انعدام المنطق، وتراجع الضبط الأخلاقي. وتشكل هذه العناصر مجتمعة صورة كلية لصراع لم يعد محكومًا بقواعد واضحة، بل بات أقرب إلى حالة من الفوضى المنظمة.
إن ما يجري ليس مجرد صراع جيوسياسي، بل هو إعادة تشكيل لوعي العالم، من عالم تحكمه القواعد إلى عالم تحكمه القوة و وهم الإله، ومن نظام يسعى إلى العدالة إلى واقع يبرر الهيمنة. وفي قلب هذا التحول، يقف خطاب سياسي جديد، حاد ومتناقض، يجمع بين التهديد والبراغماتية، بين الدين والتجارة، بين الادعاء الأخلاقي والممارسة العنيفة.
السؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس فقط، إلى أين تتجه هذه الحرب؟ بل، أي نظام دولي سيبقى بعدها؟ وإذا استمرت هذه الديناميات، فإننا لا نكون أمام أزمة عابرة، بل أمام مرحلة تاريخية جديدة عنوانها، سقوط المعايير وصعود الفوضى المقنّعة بالقوة التي يؤمن بها راعي البقر المصاب بالعهر السياسي.
*كاتبة سياسية أردنية

 

Exit mobile version