د.طارق ليساوي*
يُروى في الحكم القديمة أن أبًا جمع أبناءه في لحظة شعر فيها بأن بذور الفرقة بدأت تتسلل إلى قلوبهم، فأعطى كل واحد منهم عصا منفردة وطلب إليه أن يكسرها، فكسرها بسهولة، ثم جمع حزمة من العصي وربطها بإحكام، وقال لهم: الآن حاوِلوا، فتعاقبوا عليها واحدًا بعد آخر، فلم يستطيعوا، فقال لهم كلمته التي بقيت تتردد في الذاكرة الإنسانية جيلاً بعد جيل: إن العود الواحد يُكسر سريعًا، أما إذا اجتمعت العيدان واشتد بعضها إلى بعض، فإن يدًا كثيرة البطش قد تعجز عن كسرها.
التماسك الاستراتيجي
هذه القصة على بساطتها، ليست مجرد موعظة أسرية عن المحبة والوئام، بل هي في جوهرها قانون من قوانين الاجتماع والسياسة والتاريخ؛ ذلك أن الدول، كما الأسر، تُؤكل حين تتفرق، وتُهان حين تظن أن المال يغني عن الوحدة، وأن الحماية الخارجية تغني عن بناء القوة الذاتية، وأن الثراء السريع يمكن أن يكون بديلاً عن التماسك الاستراتيجي. ومن هذه الزاوية بالذات يمكن قراءة ما جرى في المواجهة الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران، وما انتهت إليه من وقفٍ لإطلاق النار لمدة أسبوعين جرى التوصل إليه بوساطة باكستانية، مع إعلان ترامب أن المقترح الإيراني يصلح أساسًا للتفاوض..
تحول راديكالي
فقد انتقلت الولايات المتحدة، في مشهد نادر في تاريخ الصراعات الكبرى، خلال أيام معدودة فقط، من خطاب يتوعّد بإزالة حضارة إيرانية ضاربة في عمق التاريخ، إلى لحظة أكثر دلالة وعمقًا، حين أعاد الحساب الرسمي للرئيس الأمريكي دونالد ترامب على منصة “تروث سوشيال”، ومعه حساب البيت الأبيض عبر “إكس”، نشر البيان الصادر عن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بتاريخ 8 أبريل 2026. ولم يكن هذا النشر مجرد إجراء إعلامي عابر، بل كان يحمل في طياته اعترافًا ضمنيًا بأن الورقة الإيرانية لم تعد مجرد موقف تفاوضي يمكن تجاهله، بل أصبحت وثيقة مركزية في إدارة الأزمة.. بمعنى أن القوة الأمريكية، على ضخامتها، اصطدمت مرة أخرى بحقيقة أن التفوق العسكري ليس مرادفًا للقدرة على إنتاج نصر سياسي كامل، وأن القصف و التدمير لا يعني حسم المعارك ، وأن امتلاك الأساطيل والقواعد لا يضمن، في كل الأحوال، القدرة على جعل الخصم ينحني وفق الشروط المرسومة له سلفًا.
تسييس الجغرافيا
وما يضاعف دلالة هذه اللحظة أن إيران لم تنتزع هذا الموقع من فراغ، وإنما من خلال قدرتها على جعل أمن الطاقة، وأمن الملاحة، واستقرار الخليج، وسلامة أسواق النفط والغاز، كلها عناصر داخلة في معادلة الصراع، بحيث يصبح أي قرار أمريكي بالتصعيد قرارًا مكلفًا ليس لطهران وحدها، بل للاقتصاد العالمي برمته. هنا لا نتحدث عن مجرد مناورة عسكرية، بل عن تسييس عميق للجغرافيا، وعن تحويل الممر البحري إلى أداة ردع تفاوضي، وهو ما جعل هرمز، مرة أخرى، لا يُقرأ باعتباره طريقًا للملاحة فقط، بل عقدة تختبر عندها حدود الإمبراطوريات.
قياس السويس
ولذلك فإن المقارنة بين ما يجري اليوم وبين أزمة السويس ليست مقارنة متسرعة تبحث عن تطابق حرفي بين بريطانيا الأمس وأمريكا اليوم، وإنما هي مقارنة في الدلالة التاريخية؛ ففي السويس لم تكن المشكلة أن لندن وباريس عجزتا عن الضرب، بل كانت المشكلة أنهما لم تعودا تملكان القدرة على تحويل العمل العسكري إلى سيادة سياسية مستقرة، وأن الأزمة كشفت حدود القوة الإمبراطورية البريطانية وفتحت الباب واسعًا أمام الحديث عن تراجعها وفقدانها جزءًا كبيرًا من نفوذها في الشرق الأوسط والعالم.
معنى الانتصار
وحين أقول إن ما جرى يمثل، في جوهره، انتصارًا واضحًا لإيران، فأنا لا أستعمل الكلمة بمعناها الاحتفالي أو الدعائي، ولا أتجاهل ما تكبدته إيران من كلفة بشرية وسياسية وعسكرية، وإنما أقصد المعنى الأدق في علم الصراع: أن دولة تعرضت للضغط والحصار والتهديد والنار، ثم استطاعت، مع ذلك، أن تمنع خصمها من بلوغ هدفه السياسي الأعلى، وأن تُرغمه على التراجع من سقف الحرب المفتوحة إلى سقف التفاوض المشروط، وأن تُثبت أن كسرها ليس عملية منخفضة الكلفة، وأن قرار إخضاعها يمر عبر أثمان عالمية وإقليمية لا تحتملها السوق ولا الحلفاء ولا الرأي العام الدولي.
وهذا هو المعنى الذي ينبغي أن يقرأه العرب بعقل بارد: الأمم لا تُبنى بالشعارات، ولا تبني هيبتها بالخطب، ولا تصنع ردعها بالثرثرة الإعلامية، وإنما بالعمل الطويل، وبالاستثمار في الإنسان، وبناء مؤسسات البحث، وتطوير الصناعة، وصياغة عقيدة أمنية واضحة، والاستعداد لدفع ضريبة الدم عندما تُفرض المعركة فرضًا. إن في التجربة الإيرانية، مهما كان اختلافنا مع جوانب منها، درسًا قاسيًا وواضحًا مفاده أن السيادة ليست هبة، وأن من لا يُعِدّ نفسه للامتحان التاريخي سيظل ينتظر أمنه على أبواب الآخرين.
مكاسب الصين
غير أن الاقتصار على إيران وأمريكا وحدهما يظل قراءة ناقصة، لأن الرابح الأكبر في كثير من الحروب ليس من يطلق النار أو يتلقاها مباشرة، بل من يعيد ترتيب مصالحه بهدوء على هامش العاصفة. ومن هذه الزاوية تبدو الصين المستفيد الاستراتيجي الأعمق من هذا التطور، لا لأنها أدارت المعركة، بل لأن كل اهتزاز في أمن الخليج وكل اضطراب في الثقة بالضمانات الأمريكية يدفع العالم أكثر نحو ما كانت بكين تعمل عليه منذ سنوات: تنويع مسارات الطاقة، توسيع هامش التعاملات خارج القبضة الغربية، وتعميق الحاجة الدولية إلى شبكات تجارة وتمويل ونقل لا تمر كلها عبر المظلة الأمريكية.
مكسب موسكو
أما روسيا، فهي الأخرى خرجت من المشهد وفي يدها مكسب استراتيجي غير مباشر، لأنها تعرف أن كل اضطراب طويل في الخليج يفتح أمامها نوافذ جديدة في سوق الطاقة والتجارة والسياسة، وقد نقلت رويترز عن رئيس الوزراء الروسي ميخائيل ميشوستين قوله إن اضطرابات الحرب في الشرق الأوسط فتحت فرصًا تجارية جديدة لروسيا، على الرغم من القلق من آثارها على الأسعار الداخلية. وما يعنيه هذا الكلام، على بساطته، هو أن موسكو ترى في اهتزاز الهيمنة الأمريكية على الممرات وأسواق الطاقة فرصة لتوسيع هوامشها، سواء عبر صادراتها، أو عبر صفقاتها مع آسيا، أو عبر تقوية سرديتها الكبرى التي تقول إن الغرب لم يعد يملك القدرة على إدارة العالم منفردًا.
الخليج الجريح
لكن الوجه الآخر للمشهد لا يقل خطورة، بل ربما كان الأشد إيلامًا للعرب، لأن دول الخليج، التي ظنت طويلًا أن المال والتحالفات والقواعد الأجنبية يمكن أن تشكل سياجًا مانعًا للنار، وجدت نفسها فجأة أقرب إلى مرمى الصواريخ والطائرات المسيّرة، وأقرب إلى اختبار قاسي يؤكد أن الانخراط في أحلاف كبرى لا يحوّل الدول الصغيرة إلى جزر آمنة، بل قد يجعلها، في لحظة الانفجار، جزءًا من فاتورة الحرب. ومن هنا يجب أن نكون واضحين أخلاقيًا وسياسيًا في آن واحد: نحن ندين أي اعتداء على دولة عربية، أيًا كان مصدره، لأن أمن الشعوب العربية ليس ورقة تفاوضية في صراع الآخرين، ولأن الدم العربي ليس تفصيلًا جانبيًا في لعبة الأمم. لكن هذه الإدانة لا تمنعنا من قول الحقيقة السياسية أيضًا، وهي أن التحالفات الخاسرة لها أثمان، وأن الرهان الكلي على الحماية الخارجية، وخاصة حين يقترن بالتطبيع الأمني أو بالارتهان الاستراتيجي، لا يصنع أمنًا مستدامًا، بل قد يصنع هشاشة مؤجلة تظهر فجأة في ساعة الامتحان.
خطر الفتنة
والأخطر من النار المباشرة هو ما قد يليها من استثمار طويل في الجروح المذهبية والهوياتية، لأن المنطقة، بعد هذه الحرب، تقف على حافة دورة جديدة من التوظيف السياسي للانقسام السني – الشيعي، ومن تعبئة المخاوف القديمة، ومن إعادة إنتاج الكراهية باعتبارها وقودًا مناسبًا لمشاريع التفكيك. ولهذا فإن الواجب على العقلاء، في الخليج والمشرق والمغرب، أن يفصلوا بين أمرين: بين الاعتراف بأن إيران حققت مكسبًا استراتيجيًا في مواجهة واشنطن، وبين التساهل مع أي فعل من شأنه أن يوسع الشروخ داخل المجال العربي والإسلامي. فليس من الحكمة أن نقرأ كل شيء بمنظار طائفي، كما ليس من الحكمة أن نغطي كل شيء براية الانتصار. المطلوب هو حكمة تبني الجسور، وتمنع تحويل هذه الحرب إلى مقدمة حرب أهلية باردة تتسع تدريجيًا في الجسد العربي والإسلامي.
درس العرب
وهنا نصل إلى بيت القصيد، وإلى العبرة التي أردتُ أن أبدأ لها بقصة العصي: ماذا نتعلم نحن كعرب من هذه اللحظة؟
أرى أن الدرس الأوضح هو أن المنطقة العربية والإسلامية لم تكن يومًا سهلة الهضم بالنسبة للإمبراطوريات، من العراق إلى أفغانستان إلى الخليج، وأن القوى العظمى تستطيع إسقاط أنظمة، وتستطيع تدمير بنى، لكنها كثيرًا ما تعجز عن صناعة استقرار خاضع لها بالكامل. لكن هذه الحقيقة، مع الأسف، لم تتحول عند العرب إلى مشروع قوة ذاتية، بل غالبًا ما ضاعت بين الانقسامات، والاصطفافات، والرهان على الخارج، والخصومات الصغيرة. واليوم، بعد هرمز، يتأكد مرة أخرى أن الطريق الأقصر إلى الأمن والتنمية ليس في استدعاء الحامي الأجنبي، ولا في التعويل على إسرائيل بوصفها راعيًا للأمن، فإسرائيل، بحكم مشروعها الاستيطاني والتوسعي والعنيف، لا يمكن أن تكون ضامنًا لاستقرار المنطقة، بل هي، في بنية وجودها السياسي، عامل تفجير دائم. ومن ثم فإن المطلوب عربيًا ليس خطابًا عاطفيًا عن الوحدة، بل برنامجًا عمليًا للتكتل: تكامل دفاعي، وصناعة سلاح عربية متدرجة، وأمن غذائي وطاقي، وتنسيق استخباراتي، وسياسة خارجية أقل ارتهانًا، وتجميد للخلافات الثانوية عندما يتعلق الأمر بالخطر الوجودي المشترك. إن العصي المتفرقة تُكسر، أما إذا اجتمعت فقد تغيّر ميزان القوة ولو بعد حين.
رهان المغرب
وبالنسبة إلى المغرب، فإن هذه التحولات تضع أمامه فرصة ومسؤولية في آن واحد، لأنه ليس بعيدًا عن ارتدادات الخليج والطاقة والتجارة والتحالفات، لكنه في الوقت نفسه يملك من الموقع الجغرافي، والعمق الإفريقي، والعلاقات الأطلسية والأوروبية، ما يسمح له بأن يتحرك بعقل استراتيجي أهدأ وأكثر استقلالًا. والمغرب، إذا أراد أن يستفيد من عالم ما بعد هرمز، يحتاج إلى جرأة سياسية فيها حكمة، لا إلى اندفاع متهور ولا إلى حياد سلبي؛ يحتاج إلى تنويع الشراكات، وإلى تعزيز صناعته، وإلى الاستثمار في أمنه الغذائي والطاقي، وإلى توسيع قاعدته الدفاعية والتكنولوجية، وإلى قراءة ما يجري في الخليج لا كأزمة بعيدة، بل كجرس إنذار يقول إن زمن الرفاه السياسي المجاني قد انتهى، وإن الدولة التي لا تبني قدرتها على الصمود والتموضع الذكي ستظل دائمًا رهينة قرارات لا تصنعها بقواها الذاتية..
*أكاديمى وكاتب مغربي..
