اليمن الحر الأخباري

إسرائيل وأمريكا.. تتجرعان الكأس المر!

 

بلال اللقيس*
نجحت الجهود الباكستانية، بالتنسيق مع عواصم عديدة في المنطقة أبرزها القاهرة وأنقرة، في فرض هدنة لمدة 15 يوماً، يُفترض أن تؤسس لاتفاق جديد بين الأميركيين والإيرانيين، إلا إذا نجحت تل أبيب في هدم الهدنة وفرصة الاتفاق الموعود معاً.
مع انتهاء حرب الـ12 يوماً، في حزيران/يونيو 2025، كان سؤال معظم المحللين: متى تبدأ جولة الحرب الجديدة بين أميركا وإسرائيل وإيران. ولم يكد ينطوي اليوم الأخير من شهر شباط/فبراير المنصرم، حتى بدأت المنازلة العسكرية الموعودة، وبعد حوالي الستة أسابيع، يُمكن القول إن هذه الحرب بنتائجها لن تقتصر ارتداداتها على إيران وحلفائها، بل على كل مؤمن بقضايا التحرر والتقدم والتنمية ومحاربة الاستعمار.
من هذه الزاوية، أُسارع إلى وضع هذه الخلاصات المتصلة حصراً بسلوك إسرائيل على مدى عامين ونيف:
ـ أولاً: برغم نجاحاتها الأمنية، لم تستطع إسرائيل أن تحسم أيّ حرب لصالحها، لا في غزّة، ولا في لبنان، ولا في اليمن، ولا في الضفة الغربية.
ـ ثانياً: تمكنت المقاومة من إحداث صدمة في الوعي الأمني الإسرائيلي لا يمكن أن تُمحى، ركيزتها عملية “طوفان الأقصى” في 7 تشرين/أكتوبر 2023.
ـ ثالثًا: صورة إسرائيل “الدولة/الأنموذج” سقطت في عيون الغرب والشرق على السواء.
ـ رابعًا: صارت إسرائيل أبعد ما تكون عن الدولة؛ إنّما هي كيان معلّق بشخص واحد اسمه بنيامين نتنياهو.
ـ خامساً: كسبت حركات المقاومة مشروعية الرأي العام العربي والإسلامي وحتى العالمي.
ـ سادساً: تراجع شبح الفتنة في البيت الإسلامي إلى حدّ كبير، وسنحت فرصة لإعادة نظر وتقييم لدى الدول العربية والإسلامية لمدى فائدة العلاقة بإسرائيل والتطبيع معها.
ـ سابعاً: إسرائيل محدودة القدرة، برغم كل التبجّح بالقوة، وظهر أنّها لا تستطيع تحويل إنجازاتها الأمنية إلى معطى سياسي واستراتيجي ثابت وحاسم؛ فقوّتها تعوزها عوامل وعناصر ضرورية كان يؤمّنها لها العقل الغربي الأوروبي الأميركي. ولولا النجاح الأميركي (التركي) المرحلي في سوريا (إسقاط نظام بشار الأسد)، لاستطعنا القول إنّ الحرب منذ “طوفان الأقصى” لم تحقّق أي نتيجة فعلية في المنطقة لصالح الغرب، لا بل صار يقيناً أن إسرائيل عاجزة عن خوض أي حرب من دون الدعم العسكري الأميركي المباشر.
تحضير المسرح
لم يكد يمر الشهر الثامن على جولة حزيران/يونيو 2025، حتى كان الأميركيون يُكرّرون الفعلة ذاتها. هم يفاوضون الإيرانيين ولكن قرار الحرب كان متخذاً وساعة الصفر محددة خلال زيارة نتنياهو الأخيرة إلى الولايات المتحدة.
مهلة الثمانية أشهر كانت كفيلة بتحضير مسرح الحرب بين أميركا وإسرائيل من جهة، وإيران ومحورها من جهة ثانية. فالبيئة الدولية تبدّلت، والتحالفات الغربية تشقّقت مع دونالد ترامب، والثقة بإسرائيل وقوتها، وبأميركا وحمايتها، تراجعت. كما أن تلويح نتنياهو بـ”إسرائيل الكبرى” واستعلاء ترامب، ضاعفا مخاوف العرب جميعًا من أنّ نصر إسرائيل يعني القضاء عليهم وتقسيم دولهم. وقد أدّت الضربة على قطر (قاعدة العديد) إلى بداية استفاقة، وإلى البحث عن سؤال الأمن الجدّي والفعلي بعيدًا من الابتزاز الأميركي.
وبرز أكثر للعيان أنّ أميركا والغرب يتّجهان أكثر فأكثر إلى “أمننة” كل مقارباتهما والقضايا الصراعية دوليًا، حتى أنّ مصادر الطاقة أصبحت تخضع لهذا المنطق، ما زاد المخاوف العربية، كما زاد مخاوف الصين التي راهنت على الاقتصاد في مقارباتها، وعلى “خط الحرير” وموقع إيران فيه. فتزحزحت الكثير من الدول عن مواقفها التقليدية، ولو قليلًا، وجاء خطف رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو ليدفعها خطوة إلى الأمام في تعريف الصراع الجاري، وفي تحديد المطلوب من سياستها الخارجية. وانعكس ذلك في أنّ البيئة الدولية وقواها لم تعد منقادة لتوجّهات ترامب وإرادته، وظهر ذلك أيضًا في فشله في حل مسألة حرب أوكرانيا.
لقد أعاد كل طرف في هذا الصراع تقييم قدراته، وفهمه لمسرح العمليات، ونقاط ضعفه وقوته، وسعى إلى ترميم وضعيته، وتقدير ما يمكن أن يفعله في المواجهة الآتية، إلى أن أتت فعلًا جولة الحسم الدولية في الإقليم، في هذه الجولة التاريخية التي تجاوز فيها الأميركي الحديث عن البرنامجين النووي والصاروخي إلى هدف إسقاط النظام في إيران، وجعل المنطقة برمّتها خاضعة له.
إنّ عامل الوقت وتخمّر الأحداث كانا ضروريَّين، كما يبدو، لإيران وحلفائها؛ فالظرف العالمي والإقليمي وتحولاتهما شكّلا مكسبًا لإيران، وكذلك الواقع الداخلي في إيران بعد الجولة الأولى (حرب الـ12 يوماً)، وما أنتجه من تماسك وتوحّد أعمق. وكلّ ذلك كان بمثابة ضرورة للمنازلة الكبرى. فإيران صارت، في المنظور التاريخي، خط الدفاع الأخير عن المناهضين لأميركا والغطرسة والإخضاع في العالم كلّه. وبالتالي، فإنّ صمودها يفتح أفقًا كبيرًا لها ولهم، أمّا خسارتها فتعني بداية “دومينو” لا ينتهي إلا بأحادية أميركية مطلقة، سيتجرّع العالم كلّه كأسها المرّ.
إذًا، كانت كلّ الظروف والسياقات أشبه بمقدّمات ضرورية للحظة الحرب الآتية، ذات التداعيات العالمية التي ستعيد ترتيب القوة في العالم والموازين، وهو ما يحصل فعلًا.
لا استراتيجية أميركية
حتى لحظة كتابة هذا المقال، وبرغم مرور أكثر من خمسة أسابيع على الجولة الثانية، يُمكن القول إن أميركا خسرت هيبتها في أول منازلة فعلية جديّة في تاريخها ما بعد الحرب العالمية الثانية، وخسرت نموذج الصدمة في حروب، وخسرت ثقة حلفائها العرب بها. وتبيّن أنّها لا تستطيع أن تحمي، وخسرت صورتها كقوة عسكرية ذكية، كما تبيّن أنّها لا تستطيع أن تضمن أمن الطاقة، ولا أن تجرّ الآخرين إلى حروبها وخياراتها، حتى الأوروبيين منهم، أو العرب والمسلمين. كما تبيّن أنّها تتحرك على جبهات كثيرة من دون استراتيجية واضحة، كحال إسرائيل التي ادّعت القدرة على الحسم في عدّة جبهات في آن، فإذا بها تضيع بين الأولويات، ولا تستطيع أن تحسم في أيّ منها.
وتبيّن أيضًا أنّ العناوين التي وضعتها كأهداف لحربها باتت مشوّشة، ولا يوجد وضوح حقيقي في الهدف من هذه الحرب. فهناك اختلاط في دوافع من حرّض عليها ومن وافق عليها. كما افتقرت هذه الحرب إلى استراتيجية متماسكة في كلّ المنطقة، فكانت الاستراتيجية تحمل الشيء ونقيضه، وتؤكد أنّ أميركا لا تعرف شعوب المنطقة.
هكذا ازداد التفاف الناس حول مقاومتهم في غزّة برغم الإبادة. وهكذا كانت مقاومة لبنان أكثر التصاقًا بالغائب الشهيد السيد حسن نصرالله ونهجه، وأكثر تعلقًا به من أيام حضوره بينهم. وهكذا في إيران، وفي العراق، وفي اليمن، وعند شعوب المنطقة ولا سيما الشعب المصري الذي كان له شرف إجهاض مشاريع تهجير أهل غزة ورفض تغطية حروب أميركا وإسرائيل على شعوب المنطقة. فهذه شعوب ترتبط بالرمز، والقيمة، والشهادة، وتولد من جديد مع كل شهادة. ولذلك أتت النتائج ولادة ثورية جديدة في كل ساحات المواجهة.
يكفي التخبّط والادعاءات المتناقضة التي تصدر عن ترامب والبيت الأبيض، وعن نتنياهو ومن حوله، ليدرك المرء عمق الأزمة وحجمها. فإيران ومعها المقاومة في لبنان، كما يبدو، تحضّرا جيدًا، وبصمت الحكيم وصبره، لحرب طويلة جدًا، وبنتا على هذا الأساس، واستدرجتا أميركا وإسرائيل إلى توقيتهما، وإلى سياق يخدم أهدافهما، وإلى ظروف دولية وإقليمية أفضل لهما.
إسرائيل على حقيقتها
وتراهن إيران والمقاومة في لبنان على قدرتهما الموجبة والسالبة. أمّا الموجبة، فنراها في دكّ إسرائيل والقوات الأميركية في مشهد لم يكن أحد في العالم يتخيّله أو يتصوّره، وهو أشبه بعالم الخيال، بل لم نكن نجرؤ حتى على تخيّله. ماذا يعني أن تواجه تل أبيب التدمير، وأن تكون المصالح الأميركية تحت القصف اليوم، وأن يبقى مضيق هرمز مقفلاً بقرار إيراني، والأهم أنّ كثيرًا من أوراق القوة النوعية والجغرافية لم تدخل الميدان بعد. أمّا القدرة السالبة، فهي أنّ أمنها من أمن العالم كلّه.
لقد خسرت أميركا هيبتها وصورتها ونموذجها العسكري والسياسي، وكشفت سوء الإدارة والتشتت الاستراتيجي.. وظهرت إسرائيل على حقيقتها، بعيدًا من الانتفاخ الذي ظهرت به في الأعوام القليلة الأخيرة، وبعيدًا من استسهال خطاب جموح التوسع. وظهر عجزها عن إدارة حرب على جبهتين: لبنان وإيران في آن. وظهر ضعفها البري، وترددها، وعجزها عن حماية نفسها، حتى صارت سماؤها مفتوحة للصواريخ الإيرانية المزلزلة، ولصواريخ المقاومة اللبنانية، ومواقعها الحساسة عرضة لضربها بانتقائية مبرمجة ومرحلية، من دون انفعال وبنفس طويل.. فهذه الحرب تحكمها وحدة المسار والمصير بين قوى المقاومة، ونتائجها ستكون مرتبطة بالجميع دفعة واحدة، ولا ضير في القول إن منطق التوسع الإسرائيلي لن يبقى مشرعاً بعد الآن، وقطار التطبيع سيفتقد للمحطات التي كان سيتوقف فيها، عربياً وإسلامياً.. وحتماً هناك نظام إقليمي جديد سيُدشّن ملامح النظام الدولي الجديد.
* كاتب لبناني

Exit mobile version