عبد الفتاح البنوس*
كما كان متوقعًا، يبدو أن الهدنة الأمريكية الإيرانية لن تدوم طويلًا، وأن حرب الأسابيع الستة في طريقها للعودة والاستئناف مجددًا؛ قياسًا على المعطيات الراهنة، التي حملتها نتائج المفاوضات الأمريكية الإيرانية في العاصمة الباكستانية إسلام أباد، الأمريكي الذي جاء إلى هذه المفاوضات مرغمًا بعد سلسلة الصفعات الإيرانية التي تعرّض لها، وضع العقدة في المنشار ، وأظهر التعنّت الذي عليه وفده الثلاثي المفاوض عدم الرغبة الأمريكية في التوصل إلى حلول مرضية لكل الأطراف، وأنه قبل بالهدنة، وجاء إلى إسلام أباد من أجل كسب المزيد من الوقت؛ لإعادة ترتيب أوضاعه العسكرية، وترميم ما يمكن ترميمه من نفسيات جنوده المنهارة، بعد حرب الأسابيع الستة، التي كانت كفيلة بتحجيم وتقزيم أمريكا، وكسر غرورها وعنجهيتها مع ربيبتها إسرائيل.
ثلاثي التفاوض الأمريكي (فانس وويتكوف وكوشنر) ظل متمسكًا بخيار القضاء على البرنامج النووي الإيراني الذي يخضع لإشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية، رغم كل التأكيدات الإيرانية على سلمية برنامجها النووي، والذي يعد امتلاكه من الحقوق المشروعة ولا يمثّل أي تهديد وجودي لأي دولة، والغريب أن يصرّح نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس من إسلام أباد بعد جولة المفاوضات التي استمرت نحو 21 ساعة، بأن الوفد الإيراني رفض الالتزام بعدم السعي لامتلاك سلاح نووي، رغم أن الجانب الإيراني في المفاوضات كان واضحًا وصريحًا في هذا الجانب، وهو موقف ثابت بالنسبة للقيادة الثورية والسياسية الإيرانية لا لبس فيه ولا غموض، ومن يقيّم مصداقية الجانب الإيراني هي الوكالة الدولية للطاقة الذرية وليس ترامب ووفده المفاوض.
أما ما يخص مضيق هرمز فالأمريكي نفسه يدرك جيدًا لماذا ذهبت إيران لاستخدام المضيق كورقة ضغط عليه، وما الذي تريده إيران من خلال تمسكها الآني بمطلبها الخاص بأن يكون هناك بروتوكول جديد ينظّم حركة الملاحة البحرية عبره، يعني المطلب الإيراني يهدف إلى الضغط على الأمريكي للموافقة على بقية الشروط والمطالب المشروعة المتمثلة في إطلاق الأموال الإيرانية المحتجزة في الخارج، وإعادة الإعمار ، وتقديم الضمانات الكافية لعدم الذهاب لارتكاب أي حماقات أمريكية إسرائيلية جديدة تجاهها، ولو أظهرت أمريكا حسن النوايا حول هذه المطالب، فأنا على ثقة بأن وضعية مضيق هرمز كانت ستظل كما هي عليه قبل حرب الأسابيع الستة.
والمضحك هنا هي ادعاءات المعتوه الأمريكي ترامب والتي يقول فيها إن إيران غير مستعدة للتخلي عن طموحاتها النووية، في الوقت الذي يتحدث الجميع عن برنامج نووي قائم يخضع للرقابة والتفتيش الدولي، وتأكيدات على سلميّته، تعززها عقيدة دينية تجرّم هذا النوع من الأسلحة التي يخاف منها ترامب ونتنياهو، ويخوّفان بها العالم، فعن أي طموحات يتحدث هذا الرجل المريض؟!! يريد تعطيل البرنامج النووي الإيراني وتفكيك كافة المنشآت النووية من أجل أن تخلو الساحة للكيان الصهيوني لممارسة العربدة والإجرام والتعسف بحق شعوب ودول المنطقة بكل أريحية، وهذا هو المستحيل الذي ما كان ولن يكون على الإطلاق.
من يأتِي للمفاوضات عليه أن يتصف بالمرونة، والحرص على إنجاحها، لا أن يضع العقبات والعراقيل التي تحول دون نجاحها، الأمريكي أُلعبان ومتآمر جبان، يريد أن يقنع العالم بأنه أصبح الوصي عليه، وأنه صاحب الكلمة الأولى والأخيرة، وأن كلامه مقدس ولا يحق لإيران وغير إيران أن تقف في وجهه، أو تعارضه فيما يريد الذهاب إليه، يريد أن ترفع إيران الراية البيضاء وتعلن استسلامها وتقبل بالعودة إلى بيت الطاعة الأمريكي كما كانت عليه في عهد الشاه.
يريد نزع مخالب إيران، وتقليم أظافرها؛ لأنها لم تعلن له الولاء، ولم تقدّم له قرابين الولاء والطاعة، ولم تهادن ربيبته إسرائيل، ولم توقف دعمها وإسنادها لدول محور المقاومة، المناهض لمشروع الهيمنة والتسلط والتغوّل الأمريكو صهيوني، هو اليوم وإن لم ينطق أو يصرّح بها، يريد الحصول على ضمانات أكيدة بتخلّي إيران عن نزعتها العدائية تجاه الكيان الصهيوني، وأنه لم يعد هنالك أي خوف أو قلق على تل أبيب من طهران، هذا هدفه، وهذا شغله الشاغل، وهذا ما يسعى إليه، أما الحديث عن البرنامج النووي فهي مغالطة مفضوحة، فهو يدرك قبل غيره أن إيران قدّمت ما لم تقدّمه أي دولة أخرى من تنازلات وتسهيلات سابقة ولاحقة لفرق التفتيش التابعة للوكالة الدولية للطاقة الذرية المكلّف بالتفتيش عليه بصورة رسمية، ولا خوف من إيران وبرنامجها النووي في كل مساراته ومستوياته؛ لأنه بخلاف ما يهرف به ترامب بيد قيادة وعناصر مؤمنة تمتلك من القيم والأخلاق والمبادئ ما يفتقر هو والنتن ومن على شاكلتهما إليها، والدليل على ذلك تهديداته بإغلاق حركة الملاحة عبر مضيق هرمز بشكل نهائي، ليثبت بذلك زيف وخداع ادعاءاته بتهديد إيران وقبلها اليمن لحركة الملاحة البحرية الدولية.
خلاصة الخلاصة: فشلت مفاوضات إسلام أباد، والكل يقبض على الزناد، في وضعية الاستعداد لجولة جديدة من الحرب التي قد تتسع فيها الأبعاد، والثابت لدينا أن إيران لن تقبل على نفسها الخضوع والخنوع للأوغاد، وأنها ماضية في معركتها، التي تمثّل معركة كل شرفاء وأحرار الأمة، إلى أن يرعوي الأمريكي والإسرائيلي، ويعودا إلى جادة الحق والصواب.
والعاقبة للمتقين.
*نقلا عن الثورة
