د. ادريس هاني*
لازالت هناك مساحة للحماقة، في غياب آليات فورية لعزلها. وجب بالأحرى أن تبدأ العلمانية من هنا، أي فصل السياسة عن الحماقة أولا وقبل كل شيء، لا سيما حين تصبح هذه الأخيرة تهديدا للدولة العظمى نفسها. أتحدث هنا عن المساحة المتبقية للحماقة، مع أنني أميل إلى التحليل الذي قدمه الخبير الأمريكي ملفين غودمان، حيث وجب في نظره أن لا نتحدث عن نظرية الرجل المجنون، بل ينبغي الحديث عن واقع رئيس مجنون، وذاك استنادا إلى دليل التشخيص والإحصائي للاضطرابات العقلية(DSM)، حيث يعتبر ملفين وهو محلل سياسي سبق وعمل في (CIA)، بأن الاعتماد على وسائل الإعلام الرئيسية لفهم نفسية وسلوك ترامب، هو مضيعة للوقت، وذاك لأنهم غالبا ما يتعاملون مع سلوكه الذهاني على أنه معاملات وليس اختلالات وظيفية، مع تقليلهم من خطورته في البقاء في السلطة لمدة عامين ونصف.
خلال السنتين من عمر حماقة من يسميه ملفين بالمهيمن المفترس، سنسمع ما عودنا عليه من كل أشكال البهلوانية السياسية، حيث واحدة منها، إعلان فرض حصار على مضيق هرمز، من قبل من استفرد ومجموعته بقرار حرب لم تكن تخفى مخرجاتها الكارثية إلا على من آنس بسرديات كيدية مريحة وآثر التحليل بالتمنيات. وكان الأشطر من بين هؤلاء، إن لم نقل الأكثر دجلا(وجدلا)، من نط إلى الأمام بعد أن كان جزء من ماكنة التحليل بالتمني، والهرولة للتموضع في الدياليكتيك الزائف في الميديا الصفراء، حيث يتم انتحال صفة النقيض أو الخبير (اللي ما خبر شي حاجة). إن أسماء الذين “كوعوا” تذاكيا وهرولوا دجلا، هي في جيبي. فأن تنهض على قدر من التمكين يخرجك من حالة(الهركاوي) إلى خبير مزيف، لن تنطلي على من خبر الزمان والمكان وما بين النطة والنطة(انتهى الاستطراد).
في هذا الفصل الركيك من الكوميديا السياسية، عبرت السفينة الصينية متبرجة كعروس البحر، غير عابئة بالتهديدات التي أطلقها ترامب، حيث كان هدف هذا الأخير هو: إما أن يفتح المضيق أو نحاصره؛ وطبعا المقصود هنا هو الصين؛ لقد وصلت الرسالة. وسينضاف هذا إلى الأهداف غير المعلنة التي تبخرت في سماء الخليج الفارسي. فلقد كانت الغاية الأبعد من هذه الحرب هو حصار الصين، لكن هذه الأخيرة استثنيت فيمن استثني من الدول الصديقة لطهران، من قرار غلق مضيق هرمز. إن عدد الأهداف التي سقطت في هذه الحرب يفوق عدد الكذبات(الترامبيطية). وقد اتضح بالفعل أن ترامب لا يحسن غير عزف التريتون(الفاصل الشيطاني) المحرم في التقاليد الكنسية القديمة؛ لم نفاجأ إذن من هجومه على بابا الفاتيكان ليو الرابع عشر. وحتما قبل الانتخابات النصفية، سيخضع المشهد الدولي إلى مزيد من النشاز.
لقد وطن الإيرانيون أنفسهم على خوض هذه المعركة الكبرى، ولا أعتقد أن لهم في هذه المعركة حليفا حقيقيا مستعدا لخوض حرب استباقية، سيدفع العالم كلفة هذا التردد. هذه الحرب تمثل قمة المخاطرة، والحماقة لم يعد لها رادع، وبات كل شيء متوقعا، لكن لا شيء سيوقف قرار المواجهة، لعل تلك هي صدمة عالم أدمن الخضوع.
أجل، إنها ذروة المخاطرة، حرب ليست كالحروب، لأن الخصم فيها متفوق في التقنية والجريمة، والأقربون ضالعون في العدوان، والأبعدون ينتظرون نتائج الديربي(Derby). لا أحد تحمل مسؤوليته تجاه ما يجري ، ولا أحد سينجو من تبعات أي مخرج غير عادل من هذه الحرب. المجتمع الدولي بهذه المواصفات هو جبان، غير قادر على المخاطرة، بهذا الجدل الهيغلي للصراع بين السيد والعبد، يستحق الكومبارس الدولي مستقبلا باذخا من العبودية الطوعية. في هذه الحرب، لم يعد مفيدا مسلسل بيع الوهم، من حرضوا وشنعوا وهرطقوا وطعنوا…يرقصون اليوم رقصة المطر؛ تكاد تحتقر موقفك أمام تمسرحهم “المنتوف”، يمرقون مِن الحق كما يمرق السَّهم من الرَّمِيَّةِ، تعرفهم من لحن القول وعبارة: و”لكن” الساكنة، الاستدراكية.
ما أكدت عليه هذه الحرب، هو أن النظام الدولي تم إفراغه من محتواه، وفقدت المؤسسات الدولية قدرتها على ضمان السلم العالمي . إن الإمبريالية في طور حماقتها اليوم ترقص على إيقاع الترتون، إنها نذر تبشر العالم بالحريق، قياسا على مقطع موحي لبدر شاكر السياب، في المومس العمياء، حيث يقول ما يصلح وصفا عبقريا لزمن الحماقة:
(عمياء كالخفاش في وضح النهار، هي المدينةْ،
والليل زاد لها عماها.
والعابرون:
الأضلع المتقوّسات على المخاوف والظنون،
والأعين التعبى تفتِّش عن خيالٍ في سواها
وتعد آنية تَلَأْلأُ في حوانيت الخمور:
موتى تخاف من النشور
قالوا سنهرب، ثم لاذوا بالقبور من القبور!
أحفاد “”أوديب”” الضرير ووارثوه المبصورن.
“جوكست” أرملة كأمس، وباب “”طيبة”” ما يزال
يلقي “”أبو الهول”” الرهيب عليه، من رعب ظلال
والموت يلهث في سؤال
باقٍ كما كان السؤال، ومات معناه القديم
من طول ما اهترأ الجواب على الشفاه.
وما الجواب؟
“”أنا”” قال بعض العابرين…
وانسلّت الأضواء من باب تثاءب كالجحيم)…
*كاتب مغربي
زمن الحماقة والفاصل الشيطاني!
