العميد. محمد الحسيني*
تحت وطأة الحرب التي اشتعلت في أوائل مارس/ آذار من العام الحالي (2026) بين العدو الإسرائيلي وحزب الله، لم يعد جنوب لبنان مجرد ساحة جغرافيا سياسية، بل تحول إلى مسرح لواحدة من أقسى التحولات البنيوية في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي. وما برز اليوم تحت تسمية “الخط الأصفر” ليس مجرد ترسيم حدودي جديد، بل هو “واقع بديل” فرضته آلة الحرب الإسرائيلية، مستنسخةً “نموذج غزة” ـ الذي تلا حرب طوفان الأقصى ـ في تضاريس الجليل والأحراش الجنوبية.
يمتد هذا الخط بعمق يتراوح بين 8 إلى 10 كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية، محولاً شريطاً حدودياً كان يضج بالحياة إلى “منطقة عازلة محروقة”. لم تكن العملية عسكرية بحتة تستهدف منصات الصواريخ فحسب، بل كانت عملية “إبادة جغرافية” شملت تدمير 55 قرية جنوبية بالكامل وتهجير سكانها؛ لتصبح منطقة خالية من البشر، مقطوعة الأنفاس، ومكشوفة نارياً أمام تكنولوجيا المراقبة والمسيرات التي لا تغادر السماء، في أكبر تغيير ديموغرافي يشهده ثاني بلد عربي منذ نكبة فلسطين عام 1948.
وفي هذا المشهد، تبرز المقايضة الكبرى التي يطرحها العدو الإسرائيلي، ومن خلفها الضغوط الدولية: “الأرض مقابل السلاح”. إن بقاء “الخط الأصفر” جرحاً مفتوحاً في جسد السيادة اللبنانية يُستخدم اليوم أداة ضغط قصوى لإجبار حزب الله على التخلي عن ترسانته العسكرية؛ فالرسالة واضحة وقاسية: “لن يعود حجر فوق حجر، ولن تطأ قدم نازح تراب قريته، ما لم يُنزع السلاح الذي كان يوماً عنواناً للتحرير”.
بينما تُرسم معالم هذا الخط بالبارود، لا يمكن عزل المسار عن المناخ الإقليمي الأوسع؛ فالمفاوضات الجارية في باكستان ليست إلا انعكاساً لترتيبات دولية تتجاوز القرى الـ 55 المنكوبة. لقد أضحى الجنوب اللبناني “ساحة مقايضة” في بازار التسويات الكبرى، حيث يظهر “الخط الأصفر” كرهينة جغرافية تُحتجز للضغط على المحور بالكامل. فإما التنازل عن الدور الإقليمي والقبول بـ “لبنان منزوع الأنياب”، أو بقاء الجنوب “أرضاً معلقة”؛ لا هي محتلة بالكامل لتشتعل فيها المقاومة الشعبية، ولا هي محررة بالكامل ليعود إليها سكانها.
وبين هذه التوازنات، تقبع “البيئة المغلوب على أمرها” في العراء؛ تارة ينزحون وتارة يعودون لينزحوا مجدداً إلى أجل غير مسمى، حاملين مفاتيح منازلهم التي ضاعت معالمها، في مشهد يعيد إلى الذاكرة موجات النزوح الفلسطيني في عامي 1948 و1967، حين استقبلهم الجنوبيون واقتسموا وإياهم الدار؛ إلا أنهم اليوم هم النازحون في وطنهم. هؤلاء السكان الذين كانوا يشكلون “البيئة الحاضنة”، وجدوا أنفسهم فجأة “بيئة نازحة” فاقدة لكل شيء؛ للأرض، والرزق، والذكريات. لقد أصبح صمودهم التاريخي أمام اختبار لم يسبق له مثيل، حيث لم يعد الصمود شعاراً يُرفع، بل أصبح عبئاً ثقيلاً ينوء تحت وطأة الحاجة للرغيف والمسكن، في ظل دولة غائبة ومجتمع دولي يربط إعمار بيوتهم بتنازلات استراتيجية كبرى.
إن تحليل هذا الواقع اليوم يقودنا إلى استنتاج مرير: الخط الأصفر ليس مجرد شريط حدودي، بل هو عملية “كي وعي” جماعي. فإسرائيل لم تكتفِ بدفع المقاتلين إلى ما خلف الليطاني، بل دفعت بالحياة اللبنانية برمتها إلى حافة الانهيار، واضعةً الجميع أمام خيارات وجودية: إما القبول بنزع السلاح مقابل استعادة أطلال القرى المدمرة، أو التمسك بالسلاح مع ضياع الجنوب وتحويله إلى احتلال مقنع تحت مسمى “المنطقة العازلة”. وفي هذه اللعبة الخطرة، يظل الإنسان الجنوبي هو الحلقة الأضعف، ينتظر مصيراً يُرسم في كواليس لم يعد يملك فيها صوتاً ولا قراراً.
*كاتب لبناني
لبنان وسيناريو “الخط الأصفر”
