بقلم / عادل حويس*
على امتداد السواحل اليمنية تتكرر مشاهد قد تبدو للوهلة الاولى عابرة لكنها في جوهرها تختزن مأساة انسانية مركبة
قوارب مطاطية مكتظة بالشبان القادمين من القرن الافريقي تعبر البحر سنويا انطلاقا من جيبوتي والصومال واثيوبيا في رحلات لا تشبه الهجرة التقليدية بقدر ما توحي بعمليات نقل بشري منظم
هذا التدفق المستمر يثير اسئلة ملحة حول غياب الرقابة الفاعلة على الممرات البحرية المعروفة للجميع وحول الاسباب التي تجعل اليمن البلد الاشد فقرا عربيا والمثقل بصراع داخلي ممتد منذ عقد وجهة لمئات الالاف من المهاجرين كل عام
التعمق في تفاصيل الظاهرة يكشف عن شبكات تهريب متطورة تجاوزت نطاق العصابات الفردية لتغدو منظومات عبور شبه منظمة تعمل على طول الشريط الساحلي هذه الشبكات لا تواجه عوائق حقيقية بل تلاحقها اتهامات بوجود تغاض او تساهل من اطراف تسيطر على بعض المنافذ البحرية والبرية ما يفتح باب التساؤلات حول تقاطعات المصالح الاقليمية والدولية التي تجعل من المأساة الانسانية ورقة مساومة رخيصة في لعبة النفوذ
الاكثر اثارة للقلق هو التركيب الديموغرافي للوافدين اذ يشكل الشباب القادرون على العمل بل والقتال النسبة الاكبر منهم وفي بيئة مضطربة كسياق اليمن يصبح هؤلاء عرضة للاستغلال او الاستقطاب في صراعات لا تمت اليهم بصلة في المخيمات العشوائية وعلى اطراف المدن يتحول المهاجر الفار من الجوع والحرب الى فرد هش يواجه احتمالات التجنيد الصامت او الانخراط القسري في دوامة عنف جديدة فتغدو رحلته اكثر قسوة مما هرب منه
تتضاعف المخاطر مع هشاشة البنية الاجتماعية والاقتصادية في الداخل ملايين اليمنيين يعانون النزوح وانهيار الخدمات الاساسية والفقر المدقع فيما تتدفق موجات جديدة من الوافدين لتضيف ضغطا اضافيا على موارد محدودة اصلا ومع غياب منظومة صحية وامنية قادرة على الاستيعاب والتنظيم تتعاظم احتمالات تفشي الاوبئة والامراض المعدية التي لا تفرق بين مهاجر ومواطن لتتراكم فوق سلسلة الازمات الانسانية المتلاحقة
كما يثير التزامن بين تصاعد عمليات التهريب وتطورات الصراع الداخلي تساؤلات مشروعة حول وجود تفاهمات غير معلنة او مصالح متبادلة تسمح باستمرار هذه التدفقات
واذا صح ذلك فان اليمن يدفع ليكون منطقة عزل بشري تستقبل من لا ترغب بهم دول اخرى بينما تكتفي بعض المنظمات الدولية بمساعدات محدودة لا تعالج جذور المشكلة بل تبقي الازمة في اطارها الاغاثي الضيق
ان اليمن اليوم بحاجة الى رؤية وطنية متكاملة توازن بين مقتضيات السيادة واعتبارات الانسانية
ضبط الحدود تفكيك شبكات التهريب تفعيل قوانين الهجرة واللجوء انشاء مراكز ايواء قانونية وتعزيز التنسيق الجاد مع المنظمات الدولية لايجاد حلول مستدامة جميعها خطوات عاجلة لا تحتمل التأجيل
كما ان على المجتمع الدولي ادراك ان تجاهل الازمة او ادارتها بحدها الادنى سيضاعف كلفتها مستقبلا لان اي اختلال انساني وامني في اليمن لن يبقى محصورا داخل حدوده
اليمن الذي انهكه عقد من النزيف لا يستحق ان يتحول الى مقبرة مفتوحة للمهاجرين ولا الى ساحة لتصفية حسابات ديموغرافية وسياسية
ما يحتاجه اليوم هو مزيج من الانسانية المسؤولة والسيادة الواعية رؤية تعيد الاعتبار لكرامة الانسان يمنيا كان ام مهاجرا بعيدا عن الحسابات الضيقة والمقايضات الرخيصة التي حولت المعاناة الى اداة في صراعات لا ناقة للضحايا فيها ولا جمل.
